ردوا اعتبار النصوص .. انفروا

“وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً”
سورة” النساء” الآية( 115)
بعد حمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبينا محمد وإخوانه وآله . أقول:

نظرت آسفاً كسيفاً كما نظر مثلي إلى حال بعض المسلمين، فوجدت منهم الساهين السادرين، ومنهم الغافلين الغارقين، ومنهم الخاطئين الخاطلين.

وقلّبت طرفي إلى جانب آخر، فهالني وكاد يصم آذاني : صرخاتُ حيارى شبهَ سكارى عن السبيل، أين السبيل؟! رفعوا عقيرتهم قائلين : محال أن يكون هذا الدين؟!!! :
جهل وتناقض!!
قـذف وتكفـير!!
تقتيل وتدمير !!
وفي الناحية الأخرى، رأيت ناشطين، عن ساعد الجد مشمرين، غير أنهم– وآسفاه- عزين !!! بين السبل ساعين وبعضهم لجهلهم راكضين، نهجها قاصدين، وحول شرعها طائفين،  عنه يصدرون، وعن شياطينها يتلقون ويتلقفون .

ونظرت فبصرت عاطلين عن الإدراك، معطلين للصفات ذاتِ الكمالات، يستجدون الناس تصديق أقوالِهم! يتوسلون رضا قبولِها!

والناس عنهم ما بين معرض ومشفق، وناصح ورافض، بل وزاجر .
وهم والحالة هذه ما بين صارخ وناطح .
مساكين حيارى !!
بين عز الطاعة خزايا !
وعن الحق عمايا !
وفي شرف العبودية عرايا .

ولم تسكن رحمتي، وتهدأُ رياحُ رأفتي، وينقطع عنهم ديمُ لطفي؛
إذ هالني وزلزل جوانبَ جوارحي ما رأيتُ – ويا سوأة ما رأيت –

رأيت مخابيل المتعلمين، مخانيث المتعالمين، عبدةَ عقولهم، عنها يصدرون، ومنها دون غيرها يقبلون
رأيتهم لوساوسها معظمين، ولشرعتها خاضعين! ولطرائقها الحائرة الجائرة سالكين مؤمنين، بل حامدين .

رأيتهم ساجدين لها من دون الله تعالى!!! قانتين لرجسها، مقدسين لنجسها، مسلمين لخبلها، موقنين بخبرها –  لا بل بخطلها .
لو رأيتَهم .. وهي تهيم بهم في ظلمات الظلم والتيه، بين أودية الردى ومهاوي الهوى وهم خلفها يلهثون ويزبدون، لرحمتهم .
ولو سمعتهم .. وهم ينعقون بأعجميتها، ويطنتنون برطانتها، وينتصرون لهمجيتها، لبغضتهم لجرأتهم .
وحمدت الله تعالى على الصيانة، والتمتع بسلوك سبيل المؤمنين الذي فيه سلامة العقول واستقامة الديانة .
وهم والحالة هذه معرضين عن الهدى والنور معارضين، وعن الحق الأبلج الأنور مجانبين، مخمورين في ظلمات معاقل هواهم، مترنحين منكبين في معشوق عقولهم، يتردون تارةً، ويترددون تارة أخرى .
فكم زرفت المقل عليهم رحمة، واضطربت الأفئدة عليهم رأفة .

فانقلبت عائداً بخاطري، متأبطاً ثقتي بالوعد الكريم الصادق عن الصادق بالنصرة والتمكين لهذا الدين، فتفتحت له جنبات قلبي، وارتقى إليه مدارج فكري
فرفعت طرفي إلى خالقي مناجيا، مستمطراً ديمَ الهداية مستجلبا، ورحت في ذلة وإنكسار لخالقي أدعو .. وأدعو .

وفي غمرات مناجاتي، وسباحات تضرعاتي، اصطدمت قدماي بدعوات كسيرة، على النفس ثقيلة، لوثت نعلي الحسن، وشوهت وضاءة وجهه الجميل .

فنظرت فوجدت ركاماً ورفاتا، وبقايا بلايا، من رمم ونتن مناهج الرفض الرافضة المرفوضة، متشابكةًً متداخلةً بسوءات خرافات التصوف المهتوكة

فكم حزن حزني لرؤيتها بقيحها تطفح، وبخبثها ومكرها وكذبها تظهر- على حين غفلة – في سباطاتٍ من فيافي وقفار مصرنا بعد قبور قرون .

إيه يا مصرنا الجريح .. أما آن أن تفيق؟ ما إن تلتئم جراحٌ إلا ويثخنُ جسدكَ الطاهرَ جروحٌ

لكن .. هيهات هيهات .. ففي أعضائك صلابة، وفي أبنائك صلادة، تأبى الانحرافَ، وتنشدُ الخيرَ، فلا ضير .
وبعد

تزاحم أسماعَنا بعد الفينة والأخرى دعواتٌ صائحاتٌ مناديةٌ – نداء غيرَ رشيد -بضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي و… ومع تداخلها لكثرتها لم أسمع دعوة مماثلة لإصلاح الفهم الديني مع شدة الحاجة إليه، وكون التعويل عليه، ومردّ ذاك إليه .

وعجبت، ولم يمتد بي العجب ويطول، حتى سنحت فرصة ولاحت في الأفق فرجة، فأقول :

اعلم – أرشدك الله لطاعته – أنه لا صلاح للخلق إلا في اتباع الوحي، والمقصود بالصلاح هنا الصلاح العام الشامل لكل مناحي الحياة، إذ الخلق خلق الله جلّ في علاه، والله تعالى خبير بخلقه، عليم سبحانه بما يصلحه، وهذا المعنى المشار إليه في قوله تعالى : ” ألا يعلم من خلق…” سورة “الملك” الآية(14)
وأرشدنا نبينا العظيم- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- إلى طريق الهداية القويم، بقوله في”الصحيح” : “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا …”الحديث “صحيح الجامع” للعلامة الألباني
ولناظر أن يلحظ معي الإيماءة في “لن” القاضية بنفي عموم الضلال في الحال والمآل عن المستمسك بالوحي المستسلم له، الحاكم بأن الهداية والإصلاح كامن فيه.
فهل من متضلع ؟!!!

إن هذا الشرود، والتنقل في المناهج المتنافرة كالقرود، مردّه إلى غياب الأصول السلفية السنية عن موائد البحوث العلمية، ومبارك الحِلَق الشرعية .
إن هذا الصدود الممدود، ناشئ عن فقدان أنام لمنهج السلف الصالح في باب التلقي، وهو منهج رشيد فريد تليد .

أيها المسلمون! عباد الله .. اسمعوا وعوا، إنه لا يَصلُح أخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولُها
أيها المسلمون! عباد الله .. عليكم بالتوحيد، إذ التوحيدُ طريق التوحيد، ولا توحيدَ إلا على التوحيد ، كما لا اجتماع إلا على السنة .
أيها المسلمون! عباد الله .. اعلموا أن السنة كسفينة نوح-عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أهلها ناجون، فالسنة .. السنة .
أيها المسلمون! عباد الله .. هلموا إلى الوحي المعصوم تعلماً وتعليماً أَقبِلوا وانهَلوا

ردوا اعتبار النصوص انفروا

ولكن وفق فهم سلف الأمة، وهذا القيد القوي القويم هو المشار إليه عاليه في قوله تعالى : “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً”سورة” النساء” الآية( 115) إنه سبيل المؤمنين، سبيل الناجين .

وفقكم الله تعالى وأعزكم ورفع أقدارنا وأقدراكم، ووفق اللهم ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه رضاك، وتقبلنا وإياهم في الصالحين .. أمين .

وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين.

وكتب
الفقير إلى عفو مولاه
أبو عبد الله
محمد بن عبد الحميد حسونة
في: 22/5/1427هـ – 18/6/2006م