حقيقة صراع الإخوان في مصر

فقد علَّمَنا شيوخُ الطِّب فيما علمونا ، ألا تَشْغَلُنَا الأعراض عن الأمراض، وأفهمونا أن الطبيب الذي يُشغله التعامل مع العرض عن معرفة أصل المرض؛ طبيب فاشل ، يضرُّ مريضَه اكثر مما ينفعه ، يضيِّع عليه وقتًا يتمكن فيه منه مرضُه، ويضيِّع عليه مالًا في دواء هو داء يضره ولا ينفعه، والقاعدة المستخلصة من هذا “ألا تشغلنا مواجهة الأعراض عن مواجهة حقيقة الأمراض” ، وهذه القاعدة كما أنها مفيدة نافعة للطبيب في تطبيبه وفنه؛ فهي مفيدة نافعة للإنسان في معالجة مشاكله وهمِّه.
والسؤال هل ما يحدث في مصر الآن؛ صراع بين الإسلام والكفر ؟ وبين التوحيد والشرك ؟ وبين الهدى والضلال ؟ أو حتى بين السنة والبدعة ؟
والجواب بناءًا على القاعدة التي مرَّ ذكرها: ليس الصراع الدائر في مصر الآن شيئًا من هذا كله؛ بل هو صراع سياسي يُستخدم فيه الدين سلاحًا ضمن أسلحة شتى ، هو صراع بين الإخوان وبين الدولة المصرية بماضيها وحاضرها وتطلُّعِهَا إلى مستقبلها، هو بوضوح صراع يخوضه الإخوان المسلمون وأشياعهم مع الدولة المصرية لأجل إسقاطها، فإذا سقطت كانوا الدولة البديلة ، أو على أسوأ تقدير: الدولة الموازية، إذًا هي حرب بالوكالة مع الدولة المصرية، والإخوان وأشياعهم في هذه الحرب وكلاء دول خارجية أجنبية وعربية؛ تريد إسقاط الدولة المصرية وتفكيكها وطمس تاريخها وهويتها؛ لتصبح دويلات في مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ لا دولةً رائدة في المشروع الإسلامي كما يعتقد المغفلون والمغرضون .
إذًا الإخوان المسلمون جزء من المخطط الصهيوصليبي لتفكيك المنطقة وإعادة ترتيبها ؛ بل هم رأس الحربة في ذلك المخطط الملعون ، لقد اعتقد الإخوان أنهم أذكى من اليهود والصليبيين الذين يستخدمونهم ، وأنهم متى وصلوا إلى السلطة في البلاد المتفق على وصولهم إلى السلطة فيها ؛ صنعوا ما يريدون هم لا ما يريده منهم المستخدمون ، والأخيرون يعجبون من سذاجتهم ويسخرون.
لقد اعتقد الإخوان أنهم عندما يصلون إلى السلطة سيفعلون ما يشتهون ، ويصنعون ما يحبون، وغاب عنهم أنها ستكون سلطة بلا سلطان ، ومملكة بلا ملك ، وجسدًا بلا حركة ولا حياة ، لقد خان الإخوان وطنهم ودينهم بتحالفهم مع اليهود والصليبيين الذين استخدموهم ضد أوطانهم لإحداث الفوضى الخلَّاقة كما يزعمون ، ولتفكيك الدول الإسلامية العربية وتفكيك جيوشها أو إضعافها وإنهاكها .

استماع

حكم الإخوان .. دروس وعبر

فَإِنَّ أَخَطَرَ مَا يُصِيبُ أُمَّةً بَعْدَ تَحَوُّلٍ مُجْتَمَعِيٍ هَائِلٍ، وَتَغْيِيْرٍ سِياسِيٍ شَامِلٍ؛ أَنَ تُكِبَّ عَلَى التَّشَفِّي وَالشَّمَاتَةِ وَالْاِنْتِقامِ. إِنَّ رُوْحَ الْاِنْتِقامِ وَالشَّمَاتَةِ رُوْحٌ نَجِسَةٌ، لَا تَسْكُنُ إلّا الْخَرَائِبَ، وَلَا تَنْعَبُ إلّا عَلَى الْأَطْلاَلِ. وَحَرِيٌّ بِمُجْتَمَعٍ يَتَعَثَّرُ فِيْ أَذيَالِ مُعَاْنَاْتِهِ؛ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى سَلاَمَةِ خَطْوِهِ وَاْسْتِقَاْمَةِ خُطْوَاتِهِ.
إِنَّ رُوْحَ التَّسَامُحِ والتَّغَافُرِ وَالصَّفْحِ؛ رُوْحٌ طَيِّبَةٌ طَهُوْرٌ، وَمَاْ أَحَوْجَ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ إِلَىْ غَسْلِ أوْزَارِهِمْ بِضِيَائِهَا، وَإِزَالَةِ أدْرَانِهِمْ بِطِيْبِهَا وَنُوْرِهَا.
وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ تَجْرِبَةِ الْإِخْوَانِ الْفاشِلَةِ؛ لاَئِحَةٌ مَعَالِمُهُ، لَا تُخْطِئُهَا عَيْنٌ بَاصِرَةٌ، وَلَا مُقْلَةٌ مُبْصِرَةٌ، إلّاْ قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ كُهُوْفٍ كَالْقُبُورِ، إِلَى الْبَراْحِ وَإِلَىْ النُّوْرِ، فَأَبَوْاْ إلّا أَنْ يَصْحَبُوا ظُلْمَةَ الْكُهُوفِ، وَيَحْيَوْا فِي ضِيْقِ الْقُبُورِ.
مَا أَضْيَعَ أمَّةً يَحْذُو بِرَكْبِ دَعْوَتِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ: الْمُبْتَدِعُونَ الْجَاهِلُونَ، الْمُتَعَالِمُوْنَ الْمُغَامِرُونَ.
لَقَدْ كَانَ أكْبَرَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ كُبْرَى خَطَايَاهُمْ؛ أَنْ صَرَفُوا جُهْدَهُمْ، وَوَفَّرُوا طَاقَتَهُمْ، عَلَى التَّمْكِيْنِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنَّهُ أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والاسْتِخْلَافِ الَّذِي آَمَنُوا أَنَّهُ قَدْ سِيْقَ إِلَيهِمْ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِخْوَانُ لَحْظَةً لِيَتَدَبَّرُوا: أَهُمُ الْمَعْنِيِّونَ بِالتَّمْكِينِ حَقًّـًا؟ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُهُ صِدْقَــًا؟.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [النور: 55].
حَسِبَ الْإِخْوَانُ أَنَّهُمْ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الطَّهُورِ، دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ، وَتَعَامَوْا عَنْ الْمَعْنَى اللَّطِيْفِ فِي الْنَّظْمِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ اَبْتَدْعَوا مِنْكُمْ، ولا: الَّذِينَ حَالَفُوا أهْلَ الشِّرْكِ مِنْكُمْ، وَلَا: الَّذِينَ وَالَوْا الْأَعْدَاءَ وَعَادَوْا الْأَوْلِيَاءَ مِنْكُمْ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ “.
وَاللهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يَقُلْ: وَعَمِلُوا الطَّالِحَاتِ، وَلَا: وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، وَلَا وَعَمِلُوا الْمُوبِقَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: “وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”.
وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”، و”شَيْئًا”: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَهِي تُفِيدُ الْعُمُومَ.
فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُرُوطِ التَّمْكِينِ هَذِهِ !؟
مَثَلُ الْإِخْوَانِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَـاً ::: شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
لَقَدْ كُنْتُ أُبْصِرُ وَأَسْمَعُ كُلَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّمْكِينِ الْمَزْعُومِ، وَكُنْتُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ أَنَّهُمْ لَنْ يُمْكَّنُوا؛ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أهْلَ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَمَنْ عَرَفَ صَنِيْعَ وَزِيْرِ الْأَوْقَافِ الْإِخْوَانِيِّ وَهُوَ يَنْفِي أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءةِ وَالصِّدْقِ، وَيَأْتِي بِآَخَرِيْنَ مِنْ أهْلِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْجَهْلِ؛ عَرَفَ تَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [الملك:22]، وَتَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5] ، وَعَلِمَ كَيْفَ يَكُونُ عَبَثُ الْعَابِثِينَ، وَتَخْلِيطُ الْمُخَبَّلِينَ.
لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ؛ فَأَمُرُّ بِهِ مُرُورَ الْكِرَامِ الْمُعْرِضِيْنَ عَن اللَّغْوِ، وَفِي أُذُنَيَّ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَكَانَتْ كَعَنْزِ السَّوْءِ قَامَتْ لِحَتْفِهَا ::: إِلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ الثَّرَى تَسْتَثِيرُهَا
لَقَدْ كَانَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَانْقَضَتْ بِهِ حِكْمَةُ اللهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ؛ أَنْ ابْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامَـًا كَامِلَاً، بَلْ حَوْلًا أَكْتَعَـًا؛ بِرُؤْيَةِ وُجُوْهِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ -مِنْ الْإِخْوَانِ وَأَشْيَاعِهِمْ-؛ بِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيهَا مِنْ سَوَادِ الْبِدْعَةِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
وَاُبْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامًا أَكْتَعَـًا بِسَمَاعِ نَعِيبِهِمْ وَتَخَارِيْفِهِمْ؛ فِي مَكْرِهِمْ وَمُخَادَعَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الْأَكْتَعُ: فَهُوَ حَوْلُ الذَّلْفَاءِ فِي طُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، دُونَ مَبَاهِجِهِ وَلَذَّاتِهِ.
يــا لَيْتَنِي كُنْـتُ صَبِيَّــاً مُـــرْضَــعَا :: تَحْمِلُنِي الذَّلْفَــــــــاءُ حَــــوْلاً أكْتَعَا
إذا بَكَيْـــــــتُ قَبَّـــــــــلَتْنِي أرْبَــــــــعَا :: إذًا ظَلِلْتُ الْعُمْرَ أبْكِي أجْمَعَا
إِنَّ أَخَطَرَ مَا يُوَاجِهُ مُجْتَمَعَاً بَعْدَ التَّحَوُّلَاتِ الْحَادَّةِ، وَالْاِضْطِرابَاتِ الْعَنِيفَةِ؛ مَا يُسَمِّيهِ الْبَاحِثُونَ بِالرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ. وَالرُّومانْسِيَّةُ الثَّوْرِيَّةُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَعِيْشُهَا الْجَمَاهِيرُ وَقْتَاً يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ، تَعْتَقِدُ فِيْهِ الْخَيَالَ حَقِيقَةً، وَالْمِثَالَ وَاقِعًا.
فَإِذَا وَسَّدَتْ الْأُمَّةُ أَمْرَهَا إِلَى أحَدِ أَبْنَاْئِهَا؛ طَالَبْتْهُ الْجَمَاهِيرُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَيَالَ شَاخِصًا، وَالْبَعيدَ دَانِيًا، وَالْمُسْتَحِيلَ مُمْكِنًا. وَحَاسَبَتْهُ حِسَابًا عَسِيرَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ.
إِنَّ النَّاسَ لَا يَنْقِمُوْنَ غَالِبًا إِلَّا وَاقِعَاً خَشِنَاً، تَبْرُزُ أَنْيَابُ مُعَانَاتِهِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ أَغْوَالِ، وَيَسِيرُ النَّاسُ فِيْهِ عَلَى مِثْلِ حَدِّ الْمُوْسَى تَأَلُّمَاً وَصُرَاخَاً.
وَعَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ يَفْزَعُونَ عَنْ وَاقِعِهِمْ إِلَى الرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ؛ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الْوَاقِعِيَّةِ الْحَياتِيَّةِ؛ بِرِفْقٍ وَحُنُوٍ، وَصَبْرٍ وَإِخْلاَصٍ، وَمُصَارَحَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ، وَإلّا يَفْعَلْ؛ يَزْدَدْ سَخَطُهُمْ، وَلَا تُؤْمَنْ نِقْمَتُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قُومَاً لَا يَفْقَهُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوْا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ.
وَقَدْ كُنْتُ نَبَّهْتُ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِلَيْهِ، فِي مَعْرِضِ نُصْحِهِمْ، بِتَقْويمِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ انْحِرافِهِمْ، عَامَ ألْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ، وَهُمْ يُنَافِسُونَ عَلَى مَقَاعَدِ الْبَرْلَمانِ حِينَ ذَاكَ، وَقَدْ جَعَلُوا أَصْلَ دِعَايَتِهِمْ: الْإِسْلامُ هُوَ الْحَلُّ.
وَقَدْ كُنْتُ تَسَائَلْتُ مَا مَعْنَى هَذَا الشِّعَارِ فِي السِّياقِ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ؟!
أَلَا إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الْحَلُّ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَالْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي سِيَاقِ الدِّعَايَةِ الانْتِخابِيَّةِ الإِخْوَانِيَّةِ؛ يَنْصَرِفُ إِلَى حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمُعَالَجَةِ هُمُوْمِهِمُ الْحَياتِيَّةِ.
وَقُلْتُ وَقْتَهَا: لَوْ اخْتَارَكُمْ النَّاسُ لِأَجْلِ هَذَا الشِّعَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَسَيُطَالِبُوْنَكُمْ غَدَاةَ تَوَلِّيْكُمْ الْحُكْمَ بِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَفْعِ دُخُولِهِمْ، وَتَحْسِيْنِ حَيَاتِهِمْ، وَسَيُطَالِبُكُمْ كُلٌّ بِبَيْتٍ أَنِيْقٍ، وَسَيَّارَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَمَدَارِسَ لِلْأَبْنَاءِ مُتَطَوِّرَةٍ، وَدَخْلٍ لِلْأُسْرَةِ يَجْنَحُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَتَقُوْلُوْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ: “لِيَرْبِطْ كُلٌّ مِنْكُمْ عِنْدَ الْجُوعِ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا، وَلَكُمْ فِي الرَّسُولِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقَدْ كَانَ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ؛ جُوْعُوا تَصِحُّوا، وَعَلَيكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسُّلْوَانِ”.
وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَسَيَكْفُرُوْنَ بِشِعَارِكُمْ، وَسَيَكْتَشِفُوْنَ كَذِبَكُمْ وَزَيْفَكُمْ؛ وَذَلِكَ مَا كَانَ.
ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةٌ فَارِقَةٌ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، كَانَتْ مِصْرُ فِيْهَا –بِسَبَبِهِمْ- مِنْ الْارْتِبَاكِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّضَارُبِ فِي نِهَايَةٍ، وَتَصَدَّرَ الْإِخْوَانُ الصُّفُوْفَ حَاكِمِينَ، فَهَوَوْا إِلَى الْقَاعِ مُسْرِعِيْنَ، وَتَسَارَعُوْا إِلَى الْإخْفَاقِ مُهْطِعِيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَحْكُمُوْنَ بَاسِمِ الدِّيْنِ.
وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، أَنَّ بَعْضَ قَادَتِهِمْ مُدْرَجٌ فِي قَائِمَةِ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الْعَالَمِ؛ فَكَيْفَ لَمْ يَجُدْ عَلَى بَلَدِهِ وَأَهَلِهِ بِنِصْفِ ثَرْوَتِهِ، بِثُلُثِهَا، بِرُبُعِهَا، بِخُمْسِهَا، بِعُشْرِهَا؟!، بَلْ كَيْفَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ اِقْتِصَادِ بَلَدِهِ، وَمَا لِأَهْلِ وَطَنِهِ، الَّذِينَ أَحْسَنُوْا الظَّنَّ بِهِ وَبِرفاقِهِ، وَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ فَرَاحُوا يَحْكُمُونَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ أفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْفَرْدِ، بِسَبْعِ وَعِشْرِيْنِ دَرَجَةٍ.
حَكَمُوْا جَمَاعَةً؛ لِتَتَنَزَّلَ الْبَرَكَةُ، وَطُوْبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَهَامِّ مَنْصِبِهِ -وَلَوْ كَانَ رِئَاسَةً- عَلَى أَخِيْهِ -وَلَوْ كَانَ أحْمَقَ جَاهِلَاً-. وَلَا بَأْسَ؛ فَصَدَقَةٌ قَلِيلَةٌ، تَمْنَعُ بَلَاوِيَ كَثِيرَةً.
إِنَّ بَاعَةَ الْبَصَلِ يُنَادُوْنَ عَلَيْهِ فِي أَسْواقِنَا بِالرُّمَّانِ، وَبَاعَةَ التِّرْمِسِ يَصِيْحُوْنَ عَلَيْهِ يَا لَوْزَ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْطَلِيَ هَذَا الدَّلالُ عَلَى أحَدٍ. وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ، وَهُوَ تَعَالَى يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا :: إذا نَحنُ مِنْهُمْ سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنِيَــــــــا لَا يَــــــدُوْمُ نَعِيْمُهَا :: تَقَـــــــلَّبُ تَاْرَاْتٍ بِنَـــا وَتَصـــــــــــــَرَّفُ
إِنَّ أَيَّ مُجْتَمَعٍ تَهِيْ فِيْهِ عُرَى الْأخْلَاقِ، وَتَضْعُفُ فِيْهِ مُقَوِّمَاتُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ؛ هَيْهَاتَ أَنْ يُوَفَّقَ إِلَى تَأْسِيْسِ دَوْلَةٍ مَكِيْنَةٍ، أَوْ إقامَةِ حُكْمٍ رَشِيْدٍ.
إِنَّ النُّفُوسَ الدُّنْيا لَا يُمْكِنُهَا أَنَ تُقِيْمَ أَحْكَامَ الْعَلِيِّ الْأعْلَى، وَلَا تَسْتَطِيْعُ -وَهِيَ مُخْلِدَةٌ إِلَى الْأرْضِ- أَنْ تَسْتَجِيْبَ لِتَعَالِيْمِ الْوَحْيِ، أَوْ تَسْتَقِيْمَ مَعَ جَوِّهِ النَّقِيِّ الطَّهُورِ. وَالنُّفُوسُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِي أَهْوَائِهَا الصَّغِيْرَةِ؛ لَا تَفْقَهُ الدِّيْنَ، وَلَوْ فَقِهَتْهُ مَا أَصْلَحَتْ بِهِ شَيْئَاً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصْلُحَ هِيَ بِهِ.

فَيَا طَالِبَ الْعِلْمِ – بَارَكَ اللهُ فِيْكَ وَفِي عِلْمِكَ – اطْلُبْ الْعِلْمَ، وَاطْلُبْ الْعَمَلَ، وَادْعُ إِلَى اللهِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَلَا تَكُنْ خَرَّاجَاً وَلَّاجَاً فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَتَخْرُجَ مِنْ السَّعَةِ إِلَى الْقَوَالِبِ الضِّيقَةِ، فَالْإِسْلامُ كُلُّهُ لَكَ جَادَّةٌ وَمَنْهَجٌ، وَالْمُسْلِمُوْنَ جَمِيْعُهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ؛ وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلَا طَائِفِيَّةَ وَلَا حِزْبِيَّةَ فِي الْإِسْلامِ.
أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَصَدَّعَ، فَتَكُونَ نَهَّابَا بَيْنَ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأحْزَابِ الْغَالِيَةِ، تَعْقُدُ سُلْطَانَ الْوَلاَءِ وَالْبَرَاءِ عَلَيْهَا.
فَكُنْ طَالِبَ عِلْمٍ عَلَى الْجَادَّةِ؛ تَقْفُوْ الْأثَرَ، وَتَتَّبِعُ السُّنَنَ، تَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ، عَارِفَاً لِأهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ.
فَإِنَّ الْحِزْبِيَّةَ: لَذَاْتُ مَسَارَاتٍ، وَإِنَّ الْقَوَالِبَ الْمُسْتَحْدَثَةَ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا السَّلَفُ؛ لَمِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ عَنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤَدِّى إِلَى التَّفْرِيْقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَكَمْ أَوَهَنَتْ حَبْلَ الْإِخَاءِ فى الدِّيْنِ، وَغَشِيَتْ الْمُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِهَا الْغَوَاشِي.
وانْشِطَاْرُ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ وَالْفِرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لاَبُدَّ مِنْهُ، هِيَ ضَرْبَةُ لاَزِمٍ عَلَى الْأحْزَابِ وَالْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لاَبُدَّ مِنْ انْشِطَارِهَا، فَتَنْشَطِرُ الْجَمَاعَةُ -أَوْ الفِرْقَةُ، أَوْ الْحِزْبُ- إِلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَطِرُ كُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
كَانَ ذَلِكَ قَدِيْمَاً فِي الْأحْزَابِ الَّتِي نَشَأَتْ، وَالْفِرَقِ الَّتِي نَجَمَتْ؛ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلِيَّةِ، والْمُرْجِئِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ أُولَئِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْبَاطِلَةِ، فَانْشَقُّوْا وَتَمَزَّقُوْا، وَكُلٌّ يُكَفِّرُ كُلَّاً .
وَكَذَا الشَّأْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ بَصَرٌ أَبْصَرَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بَصِيْرَةٌ عَلِمَ، وَأَمَّا مَنْ طَمَسَ اللهُ عَيْنَ بَصِيْرَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ غِشَاوَةً؛ فَلَنْ يَرَى الْحَقَائِقَ اللّاَئِحَةَ، وَلَنْ يُبْصِرَ الدَّلائِلَ الْوَاضِحَةَ.
فَاحْذَرْ -رَحِمَكَ اللهُ- فِرَقَاً –أحْزَابًا، جَمَاعَاتٍ- طَافَ طَائِفُهَا، وَنَجَمَ بِالشَّرِّ نَاجِمُهَا، فَمَا هِيَ إلّا كَالْمَيَازِيْبِ تَجْمَعُ الْمَاءَ كَدَرَاً، وَتُفَرِّقُةُ هَدَرَاً؛ إلّا مَنْ رَحِمَهُ رَبُّكَ فَصَارَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإمَامُ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ عَلاَمَةِ أَهْلِ الْعُبُوْدِيَّةِ:
“الْعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْسَبُوا إِلَى اِسْمٍ، لَمْ يُشْتَهِرُوْا بَاسِمٍ يُعْرَفُوْنَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَسْمَاْءِ الَّتِي صَارَتْ أَعْلاَمًا لِأهْلِ الطَّرِيقِ، وَأَيْضَاً فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوْا بِعَمَلٍ وَاحِدٍ يَجْرِي عَلَيهِمْ اسْمُهُ، فَيُعْرَفُوْنَ بِهِ دُوْنَ غَيْرِه مِنْ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا آفَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَأَمَّا الْعُبُودِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا بَاسْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهَا، فَإِنَّهُ مُجِيْبٌ لِدَاعِيْهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا، فَلَهُ مَعَ كُلِّ أهْلِ عُبُودِيَّةٍ نَصِيْبٌ، يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَسْمٍ وَلَا إشارَةٍ، وَلَا اسْمٍ وَلَا زِيٍّ، وَلَا طَرِيْقٍ وَضْعِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ؛ بَلْ إِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: “الرَّسُولَ”، وَعَنْ طَرِيْقِهِ قَالَ: “الْاِتِّبَاعَ”، وَعَنْ خِرْقَتِهِ قَالَ: “لِبَاسُ التَّقْوَى”، وَعَنْ مَذْهَبِهِ قَالَ: “تَحْكِيْمُ السُّنَّةِ”، وَعَنْ رِبَاطِهِ قَالَ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا مَسْتُوْرِينَ عَنْ النَّاسِ بِأَسْبَابِهِمْ، غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِمْ، وَلَا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دُوْنَ النَّاسِ، وَلَا مُنْتَسِبِيْنَ إِلَى اسْمِ طَرِيْقٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ شَيْخٍ أَوْ زِيٍّ؛ كَانُوْا بِمَنْزِلَةِ الذَّخَائِرِ الْمَخْبُوْئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الآَفَاْتِ؛ فَإِنَّ الآَفَاْتِ كُلَّهَا تَحْتَ الرُّسُوْمِ وَالتَّقَيُّدِ بِهَا، وَلُزُومِ الطُّرُقِ الْاِصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْأَوْضَاعِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَطَعَتْ أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَنْ اللهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللهِ”.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأئِمَّةِ عَنْ السَّنَةِ فَقَالَ : “مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ”. يَعْنِي أَنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَى السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا يَارَبَّ الْعَالَمَيْنَ.
أهْلُ الْإِسْلامِ لَيْسَ لَهُمْ رَسْمٌ سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ فِي الدَّعْوَةِ إلَيْهِمَا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَهُمْ كَمَا وَصْفَهُمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” وَهُمْ الَّذِيْنَ سَمَّاهُمْ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : الْجَمَاعَةَ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ: هُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُوْرَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ الْأَمِيْنُ، وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ، وَهُمْ الْمُنْتَسِبُوْنَ لِسُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَهُمْ الرّاغِبُوْنَ فِيْهَا دُوْنَمًا سِوَاهَا مِنْ الْأَهْوَاءِ لَمَّا مَالَتْ بِأهْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
وَلَمَّا تَشَعَّبْتْ بِالْأُمَّةِ الْأَهْوَاءُ صَارُوا هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُوْنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، وَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَهُمْ مَنْ تَبِعَ أثَرَهُمْ؛ وَهُمْ الَّذِيْنَ يَسِيْرُونَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ سَلَفِهِمْ الصَّالِحِيْنَ؛ لِهَذَا فَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى التَّمَيُّزِ بِلَقَبٍ، وَلَا رَسْمٍ، وَلَا اسْمٍ، وَلَا شِعَارٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمامُ الْبُرُوْزِ وَالظُّهُوْرِ لِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرِيفَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ إلّا حِيْنَ دَبَّتْ فى الْمُسْلِمِيْنَ الْفُرْقَةُ، وَتَعَدَّدْتْ عَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ الْفِرَقُ، وَتَكَاثَرَتْ الْأَهْوَاءُ، وَخَلَفَتْ الْخُلُوْفُ؛ فَبَرَزَتْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الشَّرِيْفَةُ لِلْتَمَيُّزِ عَنْ مَعَالِمِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَلْقَابٌ لَا تَخْتَصُّ بِرَسْمٍ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، زِيَادَةً أَوْ نَقْصَاً؛ وَإِنَّمَا يُمَثِّلُونَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْحالِ الْاِمْتِدَادَ الطَبْعِيِّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَاْبُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِي الشَّكْلِ وَالْمَضْمُوْنِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
إِنَّ أَيَّ فِرْقَةٍ -إِنَّ أَيَّ حِزْبٍ، إِنَّ أَيَّ جَمَاعَةِ- تَعِيْشُ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاسْمٍ أَوْ رَسْمٍ خَاصٍّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّمَا هِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ مِنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ، بِقَدْرِ مَا لَدَيْهَا، أَوْ مَا تَفْتَقِدُهُ مِنْ شَرِيْعَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيْمِ.
وَعَلَيْهِ؛ فَاَلْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، لِمَ تُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ – رِضْوانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ -؟!
وَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ تَكُوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ الْمُؤَيَّدُوْنَ، وَهُمْ الْمَنْصُوْرُوْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -.
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحاجَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ أَمْرَاضَهَا، وَلَا أَنْ تُشْفَي عِلَلُهَا، وَلَا أَنْ تَبْرَأَ أسْقَامُهَا؛ إلّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إلّا بِأَنْ تَكَوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ، وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَابُهُ – رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجَمْعَيْنَ -.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ الْغُمَّةَ، وَأَنْ يُزِيْلَ الْمُلِمَّةَ، وَأَنْ يَجْمَعَ الْجَمِيْعَ عَلَى طَاعَتِهِ؛ إِنَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيْرٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْواجِهِ وَآَلِهِ أَجَمْعَيْنَ.

من الذي خان: الجيش أم الإخوان؟

فإن الإخوان المسلمين ، واتباعهم واشياعهم من الجن والإنس يشيعون القالةَ في ربوع مصر ، أنه يجب أن يُقاطَع الجيش ، وأن يقاطَع كل من يحسن الظن به ، وكل من دعا له ، أو أظهر حرصا على تماسكه ووحدته ، ويدعو الإخوان وأشياعهم في صلواتهم ، على جيش مصر بالتقسيم والانشقاق ، بل بالاضمحلال والفناء ، في الوقت الذي لا يتعرضون فيه لجيش اليهود ، ولا لجيوش غيرهم من الصليبيين والوثنيين والملحدين ، والحجة عند الإخوان وأشياعهم هي أن الجيش قد خان ، وهم تعقد البلاهةُ ألسنتَهم إذا سألْتَهُم: ولماذا لم تُخَوِّنوا الجيش عندما انحاز إلى المتظاهرين في أحداث الخامس والعشرين من يناير ، وقام بحمايتهم ؛ مع أن الجيش مان أعظم ولائًا وأكثر تقديرًا للرئيس الأسبق المتنحي حسني مبارك ، منه للرئيس السابق المخلوع محمد مرسي .
ويؤازر الإخوانَ المسلمين وأشياعَهم من التكفيريين بعضُ الحمقى ممن يدَّعون انتمائهم إلى منهج السلف ، ويتمسَّحون ببعض رموزه وعلمائه ، ليهدموا منهج السلف على منتحليه ، والقائمين بالدعوة إليه ، والمتمسكين بحبله ، ومن أولئك المؤازرين للإخوان والتكفيريين ؛ ذلك الأحيمق الجهول ، الذي يقول : نحن مع جيشنا ما كان مع شرعنا ، فلم يحدد معنى أن يكون مع الجيش ، وأن يكون ضده ، وكيف يكون ضده وكيف يكون معه ، ولم يحدد معنى أن يكون الجيشُ مع الشرع ، وأن يكون ضد الشرع ، ما معنى أن يكون الجيش مع الشرع ، أو أن يكون الجيش ضد الشرع ، هذا الكلام الذي يقول ؛ خطيرُ الدلالة ، واضح الاتجاه ، والرجل تدور في دماه الحزبيَّةُ ، وبقايا التكفير والخروج ، ولقد كان إلى أحداث الخامس والعشرين حزبيًا مع الحزبيين ، تعرف ذلك حتى العجائزُ في الدور ، إذ لا يُشاهَدُ إلا في قنوات الحزبيين ، وما عُرِف إلا من خلالها ، ولقد ظَلَّ أربع سنوات في قناة معروف مالكها ، بأنه لا يقبل معه فيها إلا من كان حذاءً في قدمه ، وكان الأحيمق الجهول دائم الظهور مع القطبيين والإخوانيين موصول الثناء لهم ، ولمالك القناة وليِّ نعمته ، وما غادرَ القناةَ إلا بخلاف حاد ، قام مدير القناة الحقيقي -وهو أخ مالكها المذكور- قام بطرده شر طِرْدَة ، وشيَّعَه بجمل من السباب المنتقى ، وربما ببضعة شلاليت .
أراد الأحيمق الجهول أن يثأر لنفسه ، فادعى السلفيةَ من بعد الحزبية ، وهو حزبي مستتر ، ولكنه أراد الانتقامَ من طارديه ومهينيه ، فكان وإياهم كالذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ، ولا على نفسه أبقى .
راح المسكينُ يدَّعي العلم ويشرح المتون بزعمه ، وما تصدى له على سبيل المثال: “بائية الصنعاني” فراح بزعمه يشرحها ، فأخطأ في قراءة المتن -وهو أربعة وثلاثون بيتًا- خمسين خطأً ، وهو مع ذلك يشرح ، يشرح ماذا؟! أيشرح خطأه؟ أم صواب الماتن؟ لك الله يا صنعاني!
والأحيمق الجهول يتكلم دائمًا في غير فنه ، لكن ما هو فنَّه؟ لقد كان في الرياض في مسجد من مساجدها صاحب حلقة صبيان ، يُقرئهم القرآن ، فغرَّت معلمَ الصبيان هذا نفسُه ؛ فسوَّلَت له أنه قد صار من “المعلمين” ، وكل “معلم” له “صِبيَة” ، فجمع صبية صار لهم “معلمًا” وراح ينفث فيهم جَهلَه ، وكان يُعديهم ويعدونه -وما زالوا- بِمُنْحَطِّ الأخلاق وسافل الخصال .
والأحيمق الجهول يدَّعي أنه من تلاميذ العلامة العثيمين ، فيُصَدِّقُه كل من يحسب الشحم فيمن شحمُه ورَمُ ، وكل من يعتقد أن كل مُدَوَّرٍ رغيف ، وكل بيضاء شحمة ، والحقيقة ؛ أنه كان معلم صبيانٍ في مسجدٍ من مساجد الرياض ، وكان العلامة ابن عثيمين يتردد على الرياض كل عام مرة أو مرتين ، ليقضي مصالح له ، فكان لا يُخلي السَّفْرَةَ -التي لا تزيد على يومين أو ثلاثة- من بعض الدروس في بعض المساجد ، فيشرح فيها ما يناسب العوام والمبتدئين ، كالأصول الثلاثة وغيرها ، شرحًا مُجملاً يناسب قِصَرَ مدة الزيارة ، ثم يمضي راشدًا .
كان صاحبُنا هذا غير حريص على شهود تلك المجالس -كما شهد بذلك رفاقُه وعارفوه- ولكنه ربما حضر بعضها ، ومن هنا حُقَّ له أن يدَّعي أنه من تلاميذ ابن عثيمين ، هكذا “خبط لزق” .
وهو في هذا يُذَكِّرُنا ببعض طلبة الحديث القًدامى ، من المدلسين ، كان أحدهم عبر بدرهم في زَوْرَقٍ إلى الضفة المقابلة من نهر عيسى مع بعض من يُحَدِّثُه ، ثم يقول عند الأداء : حدثنا فيما وراء النهر ، فيوهم بذلك رحلةً وطلباً .
شُغِل هذا الحزبيُّ بنفسه ، وشَغَل نفسه والمخدوعين فيه ، بمسألة هي : هل كان ما كان ، في سالف العصر والأوان ، من خلع رئيس الإخوان ؛ خروجًا أو لا !؟ وراح يتقيَّأُ أوجُهَاً ، وما درى المسكينُ أنه بحث هذه المسألة في وقت فتنة ، وبحثها في وقت الفتنة خروجٌ في نفسه ، ولله في خلقه شئون .
ويلحق بهذا الأحيمق آخرٌ من بابته وعلى شاكلته ، وهو طريد الشيخ مقبل – رحمه الله – ، وهذا الطريد ثقيلٌ سَمِج ، إذا جلس بجانبك مال شِقُّك الذي بجانبه من ثِقَلِه وسماجته ، يدِّعي المعرفةَ في علم الأصول ، في زمن صَدَق فيه ما قاله ابن سيرين – رحمه الله – فيما رواه ابن عبد البر في الجامع : ذهب العلم فلم يبقَ إلا غُبَّراتٌ في أوعية سوء ، وغُبَّرات جمع غُبَّر ، وهو بقيِّةُ الشيء وآخره ، وهذا الطريد يهذي بذكر مروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وأنه لم تكن هناك بيعة ، إلى آخر هذيانه ولكن ؛ لهذا الطريد ساعةٌ لم يَحِن حينُها بعدُ والله المستعان .
نعود للسؤال : من الذي خان ؟ ومن الذي يخون ؟ …

استماع

جماعة الإخوان المسلمين

فإنه إذا كانت دعوةُ الساعين إلى الحكم دعوةَ دين وعقيدة ، فقد توجب على المحكومين الذين يختارون حاكميهم أن يعرفوا حقيقة دينِهم ، وحقيقة دعواهم . وذلك لأن ما سيحكم به أولئك الحاكمون بعدُ سيكون باسم الدين ، وعلى دعائم المِلَّة ، فتوجَّبَ على من يختارَ حاكمَه -كما هو المعمول به أخذًا من النظم الديموقراطية التي غَزَت العالم الإسلامي من العالم الغربي ، بفجوره وشركه وبُعده عن الدين الحق- ، إذا كان المحكومُ سيختار حاكمًا فقد توجَّب عليه أن يعرف حقيقةَ دعواه وَكُنْهَ دعوته ؛ إذا كان سيحكم باسم الله .
وهذا التقليد من أسس الاختيار الديموقراطي للحكام في المجتمع الغربي ، فإن الحاكم يكون مكشوفًا أمام المحكومين ظهرًا لبطن ، ولا تخفى من سيرته ربما منذ كان جنينٌ في بطن أمه إلى حين اختياره ، لا تخفى منه على منتخبينه خافية ، فإذا انتقل الأمر إلى المجتمع المسلم وصار الاختيار باسم الدين وباسم الإسلام ؛ فقد توجَّب على المحكومين أن يختاروا على حسَب عقيدة الحكام وعلى حسب دينهم فيما يعلنونه ويُظهرونه .
والإخوان المسلمون يقولون : إنهم يسعون للحكم لإقامة منهج الله في أرض الله على خلق الله ، هكذا يقولون ، فما حقيقة منهج الله عندهم؟!
منهج الله عندهم هو منهج الإخوان المسلمين ، وهو مباديء الإخوان المسلمين ، قال الشيخ البنا في رسائله -في الصفحة الثمانين بعد المائة- مخاطبًا الإخوانَ على أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبَتَتْ أنه لا خير إلا في طريقكم ، ولا إنتاج إلى في خطتكم ، ولا صواب إلا فيما تعملون .
فهم يحتكرون الصواب ، فكل من خالفهم يكون مخطئًا -على أحسن تقدير- ، وخاطئًا على التقدير العام ، يكون مخطئًا من الخطأ ، ويكون خاطئًا من الخطيئة ،
ولقد كان يعتقد أن كمال الدعوة الإسلامية هو الكمال الذي تتضمنه دعوة الإخوان على فهم قائدهم ، وأن كل نقص في عقيدة الإخوان هو في الحقيقة نقص من الإسلام .
وقد راعى اعتبار عقيدة الإخوان رمزًا لهذا المنهج ، ثم قال كما في مذكراته -في الصفحة الرابعة والخمسين بعد المائتين- : ” وعلى كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج كله من الإسلام ، وأن كل نقص منه نقصٌ من الفكرة الإسلامية الصحيحة” .
بل أوجب في “الرسائل” -في الصفحة التسعين بعد الثلاثمئة- على الشباب أن يفهم الإسلامَ كما فهمه هو ، فأوجب في الرسائل في ذلك الموضع على الشباب أن يفهم الإسلام كما فهمه هو ، وقال في تفسير ركن الفهم ، الذي هو أحد أركان بيعته : “إنما أريدُ بالفهم ان توقن بأن فكرتنا إسلامية صحيحة ، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز” .
أن تفهم الإسلام كما أفهمه ! وهذا مرفوض ، وإنما نفهم الإسلامَ كما فهمه أصحاب الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – لأنهم هم الذين عاصروا نزول الوحي ، وهم الذين عاصروا وقائع التزيل ، وهم الذين عاصروا أسباب الورود ، وهم الذين كانوا مع الرسول في الحل والترحال ، وكانوا مع الرسول في الحرب والسلم ، والمَنْشَطِ والمَكْرَه ، فعرفوا الإسلام كما أنزله الله على رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – ..

استماع

ماذا لو حكم الإخوان مصر؟

الْيَوْمَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَعَطَائِهِ وَنِعْمَتِهِ- عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلَّمُ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذُوا فُرْصَتَهُمْ كَامِلَةً، حَتَّى صَارُوا عَلَى أَعْتَابِ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَحْلُمْ بِهِ يَوْمًا أَشَدُّهُمْ تَعَصُّبًا، وَأَكْثَرُهُمْ غُلُوًّا.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ صَارُوا -بِزَعْمِهِمْ- قَادِرِينَ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَإِنْزَالِ الْمَوْتِ الزُّؤَامِ، وَاسْتِيفَاءِ مَا يَظُنُّونَهُ حُقُوقًا أَجَّلَ اسْتِيفَاءَهَا احْتِدَامُ الصِّدَامِ مَعَ النِّظَامِ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَكَمْ سَكَتُّ عَنْهُمْ فِي أَحْوَالٍ مِنْ ضَعْفِهِمْ، وَحَيْصَتِهِمْ، وَارْتِبَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الْإِجْهَازَ عَلَى الْجَرْحَى، وَاتِّبَاعَ الْفَارِّينَ، وَالتَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ!!

وَمَا زِلْتُ أَطْمَعُ أَنْ يُعِينَنِي ذُو الْجَلَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ التَّمَسُّكِ بِأَهْدَابِ أَذْيَالِ أَخْلَاقِ عَصْرِ الْفُرُوسِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مَا يُعَانُونَ لِكَيْ يُحَقِّقُوا التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ عَصْرِ الْحُمُورِيَّةِ!!

وَكَمْ هُوَ عَسِيرٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ، بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ وَمَا هُوَ مَوْضُوعِيٌّ!!

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَتَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ حُكْمِ مِصْرَ؛ لِأُجِيبَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- عَنْ سُؤَالٍ مِنْ حَقِّ الْمَحْكُومِينَ عَلَى الْحَاكِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا إِجَابَتَهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ أُمُورُ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ جَمِيعًا، وَهِيَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْوُضُوحِ؛ إِذِ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، وَالْجَهْلُ قَتَّالٌ لِأَقْوَامٍ!

وَالْإِخْوَانُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الَّتِي آمَنُوا بِهَا، وَرَوَّجُوا لَهَا، وَبَلَغُوا بِهَا مَبَالِغَهُمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تُشْرَعُ سِهَامُهَا إِلَى نُحُورِهِمْ، وَتُصَوَّبُ خَنَاجِرُهَا إِلَى صُدُورِهِمْ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ شُوِّهَتْ فِيهِ مَعَالِمُ الشَّرِيعَةِ، وَحُرِّكَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا ثَوَابِتُهَا؛ بِحُجَّةِ تَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَكْثِيرِ الْمَصَالِحِ، وَمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدِّينِ السَّفَاهَةُ وَالْجُنُونُ؛ حَتَّى صَارُوا كَمَنْ سُئِلَ: كَمْ لِلْأَرْنَبِ مِنْ رِجْلٍ؟!! فَأَجَابَ: لِلْعُصْفُورِ جَنَاحَانِ!!

كَذَلِكَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا تَكَادُ تَشُكُّ فِي جُنُونِهِ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُتَكَلِّمًا، بَلْ هُاذِيًا، وَقَدْ جَحَظَتْ عَيْنَاهُ، وَانْقَلَبَتْ حَمَالِيقُهُ، وَسَبَقَ لِسَانُهُ عَقْلَهُ -إِنْ كَانَ لَهُ-، فَتَوَرَّطَ فِي سَبِّ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رُوجِعَ، اتَّهَمَ مَنْ سَمَّاهُمْ بِالْمَدَاخِلَةِ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُسْتَهْدَفٌ بِمُؤَامَرَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَاكَتْ أَطْرَافَهَا شَيَاطِينُ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٌ مِنْ كُلِّ جِنِّيٍّ مَارِدٍ وَجِنِّيَّةٍ.

وَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ، وَيُقِرَّ وَيُذْعِنَ، وَيَتَطَامَنَ وَيَخْشَعَ، وَيَفِيءَ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعُودَ إِلَى الرَّشَادِ، رَاحَ يُوَزِّعُ اتِّهَامَاتِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَنَاةِ الَّتِي يُسَبُّ فِيهَا بَوَاكِي!!

وَشَيْخُهَا يَعْتَذِرُ عَلَى الْهَوَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَعْتَذِرُ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمُعْتَذِرٍ.

وَآخَرُ يَأْمُرُ الْأَبْنَاءَ بِسَرِقَةِ الْآبَاءِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ عُقُوقِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَتَعْوِيدِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَدِّ أَيْدِيهِمْ إِلَى حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تُقْصَرَ، وَعَلَى اسْتِطَالَتِهَا حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُكَفَّ، وَالرَّجُلُ -مَعَ ذَلِكَ- صَاحِبُ ادِّعَاءَاتٍ عَرِيضَةٍ، وَتَهْوِيلَاتٍ سَخِيفَةٍ، وَلَكِنْ سَامِعُوهُ مِمَّنْ صَدَّقُوهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ!! بَلْ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ!!

وَثَالِثٌ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدَّعِي مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَيِّدْ مُرَشَّحَهُ الْمُفَضَّلَ، سَيَلْدَغُهُ الثُّعْبَانُ فِي الْقَبْرِ بِضْعَ سِنِينَ!!

وَلَيْسَ هَذَا سِوَى نَمُوذَجٍ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَسَخَافَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ يُبَعْثِرُهَا عَلَى أَسْمَاعِ الْمُغَيَّبِينَ فِي رُبُوعِ مِصْرَ الْمُبْتَلَاةِ بِهِمْ.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنِ ابْتَلَى اللهُ مِصْرَ بِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ.

أَتَطْمَعُ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُ سُعْدَى             وَتَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَكَ قَدْ عَصَاكَ؟!!

فَإِذَا كَانَ قَلْبُكَ يَعْصِيكَ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَيْكَ وَلَا يُطِيعُكَ، أَفَتَطْمَعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُهَا؟!!

مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ!

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ عَدْلِ عُمَرَ وَإِنْصَافِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَدْلِ مَا يُقِيمُونَ بِهِ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ مَعَ مُؤَالِفِيهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِمُخَالِفِيهِمْ؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَنْ تُطَبَّقَ إِلَّا بِجِيلٍ طَبَّقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَصَبَغَ بِهَا حَيَاتَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَضَحَتْ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ بِأَخْلَاقِ الْمَسْجِدِ، لَا كَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ بِأَخْلَاقِ السُّوقِ!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ، فَأَيْنَ هِيَ الْعَقِيدَةُ فِي دَعْوَتِكُمْ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَدْعَمُونَهَا، وَتُرَوِّجُونَ لَهَا، وَتُقَاتِلُونَ دُونَهَا، وَتُكَفِّرُونَ أَوْ تُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهَا؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، لِمَاذَا تُطِيلُونَ عَلى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ، وَتُصَعِّبُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ السَّهْلَ، وَتُبْعِدُونَ عَنِ الْمُحْسِنِينَ الْقَرِيبَ؟!!

إِنَّ الْجِيلَ الْمِثَالِيَّ الْأَوَّلَ أَقَامَ الشَّرِيعَةَ لَمَّا قَامَ بِهَا، وَأَرْسَى الدِّيَانَةَ لَمَّا تَدَيَّنَ بِهَا، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ لَمَّا عَمِلَ بِالْإِسْلَامِ وَعَاشَ الْإِسْلَامَ، وَثَبَّتَ دَعَائِمَ الْحَقِّ لَمَّا تَحَقَّقَ بِهِ، وَسَمَّعَ الدُّنْيَا فَسَمِعَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا لَمَّا تَخَلَّقَ بِهَا وَحَقَّقَهَا.

الْيَوْمَ مِنْ حَقِّ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَمِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، أَنْ نُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ:
مَاذَا لَوْ حَكَمَ الْإِخْوَانُ مِصْرَ -أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ-؟!!

استماع

خلاصة النصيحة والبيان لإخواننا من الإخوان

[تنبيه : هذه الخطبة ألقيت في 2005 – رجاء مراجعة ملف الإخوان كاملًا]
.. نصيحة ودعاء لإخواننا من الإخوان , نسأل الله تعالى أن تكون خالصة لوجه الكريم , ونسأله تعالى أن يجمعنا على كلمة سواء وأن يهدينا وإياهم وأن يؤلف بين قلوبنا أجمعين ..
إن الله – تبارك وتعالى – الذي أكرمنا بالإسلام العظيم؛ لم يجعل لنا من مناصٍ إلى العودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – في كل حال وحين، وأمرنا الله – تبارك وتعالى – عندما يَدِبُّ التنازعُ بيننا بالعودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أمر الله – جَلَّت قدرته؛ بالعودة إلى كتابه وإلى سنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – ومحالٌ أن يأمر عند النزاع بالعودة إلى شيء لا يوجد فيه قطعُ النزاع وحسم مادته، خطاب الحكيم أنه إذا ما دل على شيء أن يكون كما دل عليه؛ وإلا كان القول عبثاً؛ فكيف إذا تعلق ذلك بأمر الله – جَلَّت قدرته – .
ولم يكرر الفعل عند أولي الأمر لأن طاعة أولي الأمر مشروطة بطاعة الله ورسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – .
… قال الدكتور الذي رأيه رأي الجماعة، والذي رأي الجماعة رأيه، وهو عضوٌ في مكتب إرشادها، يقول في صحيفة الدستور العدد التاسع عشر الإصدار الثاني بتاريخ الأربعاء 27/7/2005 : “لو يوافق الشعب على إلغاء المادة الثانية من الدستور يبقى خلاص، والمادة الثانية وهي الحكم بالشريعة ليست فرضًا على الناس، فإن المدخل الحقيقي للديموقراطية هو الاحتكام للشعب وتداول السلطة، وبالمناسبة: الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
لو كان رأيًا فرديًا لمررناه على مضض، ولكن الرجل يعيد ويزيد أن رأيه رأي الجماعة، وأن قوله قولهم، وأن ما يصدر عنه من قناعة هي قناعتهم، وإذن ؛ فبماعدلة يسيرة تستطيع أن تقول أن الكلام الذي سمعتَ هو رأي الجماعة كما يقول الرجل، الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
ثم يقول في تصريحات لجريدة العرب الناصري في العدد 879 سنة 11 الأحد 5/10/2003 : “نحن لا نعترض على اختيار مسيحيٍ رئيسًا لمصر بالانتخاب ، لأن هذا حق لأي مواطن بغض النظر عن ديانته وعقيدته السياسية ، حتى لو كان زنديقًا ، فمن حقه أن يرشح نفسه ، وإن اختاره الشعب فهذه إرادتهم، لأن البديل في هذه الحالة أن تحارِبَ الشعب وتصبحَ مستبدًا ، وهذا نرفضه تمامًا، فنحن مع ما يختاره الشعب أيًا كان” ..
لو كان هذا رأيه ما أَبِهْنَا له ، ولا التفتنا إليه ، وإنما هو رجل يقول ما يحلو له ، ولن يعدوَ قدرَه في نهاية الأمر ؛ فأما أن يصرِّحَ جازمًا في جريدة ناطقة باسم الجماعة ، أن رأيه رأيهم، وقوله قولهم، ثم يعجب ممن يشكك في الفصل بين قوله وقولهم …
استماع

نقض الإخوان في منهج الإخوان

إن من القواطع التي تحولُ ، دون وصول العقل إلي ما ينبغي أن يصل إليه من الحقائق الواضحات ، والمسلمات البدهيات ، أن يفكر الإنسان تفكيراً جمعيّاً ، بمعني أن لا يستقل بفكر ولا نظر ، ولاينفرد باتعاظ ، ولا اعتبار بأثر ، وإنما يكون سائرة مغلقة من فكر محدود ، يُفَكَّرُ له ولا يُفكِر ، ويُتذكّرُ له ولا يتذكَر ، ويُرسمُ له فيمضي مولياً شطر الغاية التي نُصبَت والهدف الذي رُسِمَ ، من غير ما قناعةٍ فكريةٍ عقليةٍ  ثابتةٍ راسخة قائمةٍ علي أصل ثابتٍ وقرارٍ مكين ، وإنما بعاطفةٍ حماسية تدفع المرء إلى السير كيفما اتُفقَ علي حسبِ ما رُسمَ من غير ما مراجعةٍ ولا معاودةٍ ولا مزيد اعتبارٍ ونظر.

وقد دلنا الله تبارك وتعالي علي الخروج من هذا القاطعِ ، يقول الله تبارك وتعالي آمراً نبيه – صلى الله عليه وسلم – أن يقول للمعاندين: “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ ”
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ : قُل يامحمد -صلى الله عليه وسلم- لۖمن يعاندكَ ويُحادُّك ويُشاقُّكَ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  ، بخصلةٍ واحده ،  { أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} ، أُخرِجُوا من فكر جمعي ضاغط مانع من الوصول إلي الحق ، إلي نظرٍ مجرد مستق ، مثني مثني ، أو فُرادي ، واحِدا واحِداً ، إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا.

في هذه الآيه شرطا كبيراً جليلا، أن تقوموا للّه ، متجردين ، من غير ما نوازع للهوي مُسبّقه ، ومن غير ما مرتكزات للفكر الضاغط موجهه ، أن تقوموا لله ! قوموا لله ثم تفكروا في حاله واعتبِرواْ بِمقالِه .

استماع

مراجعة الإخوان للإخوان

إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قد أخبر عن أمر يكون ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الخـلاص منه كيفَ يكـــون ..؟

فقد روي أحمد (4987) وأبو داود (3462) وصححه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) .

وضحَ النبي صلى الله عليه وسلم جمـلة أمور :- متي تورطت فيها الأمه ، نزل عليها زلُ لا يُنزعُ إلا بما وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ) .  وفسدت معاملاتكم ، وهي حيلة من الحيل يلجأ إليها من لا خلاق لهُ في الآخرة ، ليتورط في الربا ، وما يتـورط ظـاهراً ، فيُدْخلُ السلعة بين مالين بينهما تفاوت وزياده ، ثم تنزع السلعة ويظل الأمر قائـم علي الربا ، إذْ النسيئـةُ ، وما صار في ذمّـةِ الآخِذِ ، أكبر وأعلي مما تحصـل عليـه نقداً .

(إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) .

إن كل من تربى علي عقيدة التوحيد يعرفُ خبيئةَ هذا الأمر علي النحو المستقيــم .

استماع

نظرة الإخوان في منهج الإخوان

إنّ لي صديقاً ، خلطتهُ بنفسي ، ومزجتهُ بروحي ، خلطته بنفسي حتى صار شيئا في دمي  ،  ومزجته بفكري حتى صار شيئا في عقلي

وأنا أُبصِرُ  بعينيه ، وأتكلم بلسانه ، وأتنفسُ برئتـيه ، وأتحرك بقدميه ، وأنطق بلسانه ، وأحب بقلبه وأبغض ، ولطالما خلوت به ، أُسائله ويُسائِلُني ، وأستنصحه فينصحني ، وأراجعه ليراجعني ، وهو والله تبارك وتعالى حسيبه ، مدبر عن الدنيا زاهد فيها ، ولو شاء لكانت بحول الله وقوته عند أطراف أصابع قدميه , وإني قد خلوت به ،  إذ له مدة من الزمان يتناول منهج الإخوان بالنظر والبحث .

فلما خلوت به ، قلــت  :- يا صاحبي لك مدة من الزمن تنقد منهج الإخوان كما الخبر ، فقال ويحك ، إن النقد لا يكون فى الدين ، النقد في الأدب فى الفن ، في المسرح ، ولو كان فنا إسلاميا كما يدعون ..!
ولكن ، ليس في الدين نقد ، في الدين نصيحة وإرشاد , وأمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر .

قلت فليكن ..

فهذا الذي تقول في حق القوم ، أكان شيئا عرفته من زمن فسكت عنه , أم هو شىء استحدثته معرفةً وعلمته مؤخراً .؟

قال صاحبي :-  بل هو شىء أعمله منذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمان .

قلت :- فما الذي دعا إلي الإفصاح والإعلام .

بعد السر والكتمان ؟

قال صاحبي :- ما كان شىء من ذلك قطُ ، بل كان أمر البيان مبنياً على التلويح لا علي التصريح ، لأن القوم كانوا ينشرون مذهبهم على لون من ألوان السر من غير إفصاح .

استماع