حكم الإخوان .. دروس وعبر

فَإِنَّ أَخَطَرَ مَا يُصِيبُ أُمَّةً بَعْدَ تَحَوُّلٍ مُجْتَمَعِيٍ هَائِلٍ، وَتَغْيِيْرٍ سِياسِيٍ شَامِلٍ؛ أَنَ تُكِبَّ عَلَى التَّشَفِّي وَالشَّمَاتَةِ وَالْاِنْتِقامِ. إِنَّ رُوْحَ الْاِنْتِقامِ وَالشَّمَاتَةِ رُوْحٌ نَجِسَةٌ، لَا تَسْكُنُ إلّا الْخَرَائِبَ، وَلَا تَنْعَبُ إلّا عَلَى الْأَطْلاَلِ. وَحَرِيٌّ بِمُجْتَمَعٍ يَتَعَثَّرُ فِيْ أَذيَالِ مُعَاْنَاْتِهِ؛ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى سَلاَمَةِ خَطْوِهِ وَاْسْتِقَاْمَةِ خُطْوَاتِهِ.
إِنَّ رُوْحَ التَّسَامُحِ والتَّغَافُرِ وَالصَّفْحِ؛ رُوْحٌ طَيِّبَةٌ طَهُوْرٌ، وَمَاْ أَحَوْجَ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ إِلَىْ غَسْلِ أوْزَارِهِمْ بِضِيَائِهَا، وَإِزَالَةِ أدْرَانِهِمْ بِطِيْبِهَا وَنُوْرِهَا.
وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ تَجْرِبَةِ الْإِخْوَانِ الْفاشِلَةِ؛ لاَئِحَةٌ مَعَالِمُهُ، لَا تُخْطِئُهَا عَيْنٌ بَاصِرَةٌ، وَلَا مُقْلَةٌ مُبْصِرَةٌ، إلّاْ قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ كُهُوْفٍ كَالْقُبُورِ، إِلَى الْبَراْحِ وَإِلَىْ النُّوْرِ، فَأَبَوْاْ إلّا أَنْ يَصْحَبُوا ظُلْمَةَ الْكُهُوفِ، وَيَحْيَوْا فِي ضِيْقِ الْقُبُورِ.
مَا أَضْيَعَ أمَّةً يَحْذُو بِرَكْبِ دَعْوَتِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ: الْمُبْتَدِعُونَ الْجَاهِلُونَ، الْمُتَعَالِمُوْنَ الْمُغَامِرُونَ.
لَقَدْ كَانَ أكْبَرَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ كُبْرَى خَطَايَاهُمْ؛ أَنْ صَرَفُوا جُهْدَهُمْ، وَوَفَّرُوا طَاقَتَهُمْ، عَلَى التَّمْكِيْنِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنَّهُ أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والاسْتِخْلَافِ الَّذِي آَمَنُوا أَنَّهُ قَدْ سِيْقَ إِلَيهِمْ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِخْوَانُ لَحْظَةً لِيَتَدَبَّرُوا: أَهُمُ الْمَعْنِيِّونَ بِالتَّمْكِينِ حَقًّـًا؟ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُهُ صِدْقَــًا؟.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [النور: 55].
حَسِبَ الْإِخْوَانُ أَنَّهُمْ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الطَّهُورِ، دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ، وَتَعَامَوْا عَنْ الْمَعْنَى اللَّطِيْفِ فِي الْنَّظْمِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ اَبْتَدْعَوا مِنْكُمْ، ولا: الَّذِينَ حَالَفُوا أهْلَ الشِّرْكِ مِنْكُمْ، وَلَا: الَّذِينَ وَالَوْا الْأَعْدَاءَ وَعَادَوْا الْأَوْلِيَاءَ مِنْكُمْ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ “.
وَاللهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يَقُلْ: وَعَمِلُوا الطَّالِحَاتِ، وَلَا: وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، وَلَا وَعَمِلُوا الْمُوبِقَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: “وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”.
وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”، و”شَيْئًا”: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَهِي تُفِيدُ الْعُمُومَ.
فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُرُوطِ التَّمْكِينِ هَذِهِ !؟
مَثَلُ الْإِخْوَانِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَـاً ::: شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
لَقَدْ كُنْتُ أُبْصِرُ وَأَسْمَعُ كُلَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّمْكِينِ الْمَزْعُومِ، وَكُنْتُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ أَنَّهُمْ لَنْ يُمْكَّنُوا؛ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أهْلَ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَمَنْ عَرَفَ صَنِيْعَ وَزِيْرِ الْأَوْقَافِ الْإِخْوَانِيِّ وَهُوَ يَنْفِي أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءةِ وَالصِّدْقِ، وَيَأْتِي بِآَخَرِيْنَ مِنْ أهْلِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْجَهْلِ؛ عَرَفَ تَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [الملك:22]، وَتَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5] ، وَعَلِمَ كَيْفَ يَكُونُ عَبَثُ الْعَابِثِينَ، وَتَخْلِيطُ الْمُخَبَّلِينَ.
لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ؛ فَأَمُرُّ بِهِ مُرُورَ الْكِرَامِ الْمُعْرِضِيْنَ عَن اللَّغْوِ، وَفِي أُذُنَيَّ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَكَانَتْ كَعَنْزِ السَّوْءِ قَامَتْ لِحَتْفِهَا ::: إِلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ الثَّرَى تَسْتَثِيرُهَا
لَقَدْ كَانَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَانْقَضَتْ بِهِ حِكْمَةُ اللهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ؛ أَنْ ابْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامَـًا كَامِلَاً، بَلْ حَوْلًا أَكْتَعَـًا؛ بِرُؤْيَةِ وُجُوْهِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ -مِنْ الْإِخْوَانِ وَأَشْيَاعِهِمْ-؛ بِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيهَا مِنْ سَوَادِ الْبِدْعَةِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
وَاُبْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامًا أَكْتَعَـًا بِسَمَاعِ نَعِيبِهِمْ وَتَخَارِيْفِهِمْ؛ فِي مَكْرِهِمْ وَمُخَادَعَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الْأَكْتَعُ: فَهُوَ حَوْلُ الذَّلْفَاءِ فِي طُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، دُونَ مَبَاهِجِهِ وَلَذَّاتِهِ.
يــا لَيْتَنِي كُنْـتُ صَبِيَّــاً مُـــرْضَــعَا :: تَحْمِلُنِي الذَّلْفَــــــــاءُ حَــــوْلاً أكْتَعَا
إذا بَكَيْـــــــتُ قَبَّـــــــــلَتْنِي أرْبَــــــــعَا :: إذًا ظَلِلْتُ الْعُمْرَ أبْكِي أجْمَعَا
إِنَّ أَخَطَرَ مَا يُوَاجِهُ مُجْتَمَعَاً بَعْدَ التَّحَوُّلَاتِ الْحَادَّةِ، وَالْاِضْطِرابَاتِ الْعَنِيفَةِ؛ مَا يُسَمِّيهِ الْبَاحِثُونَ بِالرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ. وَالرُّومانْسِيَّةُ الثَّوْرِيَّةُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَعِيْشُهَا الْجَمَاهِيرُ وَقْتَاً يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ، تَعْتَقِدُ فِيْهِ الْخَيَالَ حَقِيقَةً، وَالْمِثَالَ وَاقِعًا.
فَإِذَا وَسَّدَتْ الْأُمَّةُ أَمْرَهَا إِلَى أحَدِ أَبْنَاْئِهَا؛ طَالَبْتْهُ الْجَمَاهِيرُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَيَالَ شَاخِصًا، وَالْبَعيدَ دَانِيًا، وَالْمُسْتَحِيلَ مُمْكِنًا. وَحَاسَبَتْهُ حِسَابًا عَسِيرَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ.
إِنَّ النَّاسَ لَا يَنْقِمُوْنَ غَالِبًا إِلَّا وَاقِعَاً خَشِنَاً، تَبْرُزُ أَنْيَابُ مُعَانَاتِهِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ أَغْوَالِ، وَيَسِيرُ النَّاسُ فِيْهِ عَلَى مِثْلِ حَدِّ الْمُوْسَى تَأَلُّمَاً وَصُرَاخَاً.
وَعَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ يَفْزَعُونَ عَنْ وَاقِعِهِمْ إِلَى الرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ؛ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الْوَاقِعِيَّةِ الْحَياتِيَّةِ؛ بِرِفْقٍ وَحُنُوٍ، وَصَبْرٍ وَإِخْلاَصٍ، وَمُصَارَحَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ، وَإلّا يَفْعَلْ؛ يَزْدَدْ سَخَطُهُمْ، وَلَا تُؤْمَنْ نِقْمَتُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قُومَاً لَا يَفْقَهُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوْا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ.
وَقَدْ كُنْتُ نَبَّهْتُ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِلَيْهِ، فِي مَعْرِضِ نُصْحِهِمْ، بِتَقْويمِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ انْحِرافِهِمْ، عَامَ ألْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ، وَهُمْ يُنَافِسُونَ عَلَى مَقَاعَدِ الْبَرْلَمانِ حِينَ ذَاكَ، وَقَدْ جَعَلُوا أَصْلَ دِعَايَتِهِمْ: الْإِسْلامُ هُوَ الْحَلُّ.
وَقَدْ كُنْتُ تَسَائَلْتُ مَا مَعْنَى هَذَا الشِّعَارِ فِي السِّياقِ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ؟!
أَلَا إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الْحَلُّ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَالْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي سِيَاقِ الدِّعَايَةِ الانْتِخابِيَّةِ الإِخْوَانِيَّةِ؛ يَنْصَرِفُ إِلَى حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمُعَالَجَةِ هُمُوْمِهِمُ الْحَياتِيَّةِ.
وَقُلْتُ وَقْتَهَا: لَوْ اخْتَارَكُمْ النَّاسُ لِأَجْلِ هَذَا الشِّعَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَسَيُطَالِبُوْنَكُمْ غَدَاةَ تَوَلِّيْكُمْ الْحُكْمَ بِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَفْعِ دُخُولِهِمْ، وَتَحْسِيْنِ حَيَاتِهِمْ، وَسَيُطَالِبُكُمْ كُلٌّ بِبَيْتٍ أَنِيْقٍ، وَسَيَّارَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَمَدَارِسَ لِلْأَبْنَاءِ مُتَطَوِّرَةٍ، وَدَخْلٍ لِلْأُسْرَةِ يَجْنَحُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَتَقُوْلُوْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ: “لِيَرْبِطْ كُلٌّ مِنْكُمْ عِنْدَ الْجُوعِ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا، وَلَكُمْ فِي الرَّسُولِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقَدْ كَانَ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ؛ جُوْعُوا تَصِحُّوا، وَعَلَيكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسُّلْوَانِ”.
وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَسَيَكْفُرُوْنَ بِشِعَارِكُمْ، وَسَيَكْتَشِفُوْنَ كَذِبَكُمْ وَزَيْفَكُمْ؛ وَذَلِكَ مَا كَانَ.
ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةٌ فَارِقَةٌ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، كَانَتْ مِصْرُ فِيْهَا –بِسَبَبِهِمْ- مِنْ الْارْتِبَاكِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّضَارُبِ فِي نِهَايَةٍ، وَتَصَدَّرَ الْإِخْوَانُ الصُّفُوْفَ حَاكِمِينَ، فَهَوَوْا إِلَى الْقَاعِ مُسْرِعِيْنَ، وَتَسَارَعُوْا إِلَى الْإخْفَاقِ مُهْطِعِيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَحْكُمُوْنَ بَاسِمِ الدِّيْنِ.
وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، أَنَّ بَعْضَ قَادَتِهِمْ مُدْرَجٌ فِي قَائِمَةِ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الْعَالَمِ؛ فَكَيْفَ لَمْ يَجُدْ عَلَى بَلَدِهِ وَأَهَلِهِ بِنِصْفِ ثَرْوَتِهِ، بِثُلُثِهَا، بِرُبُعِهَا، بِخُمْسِهَا، بِعُشْرِهَا؟!، بَلْ كَيْفَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ اِقْتِصَادِ بَلَدِهِ، وَمَا لِأَهْلِ وَطَنِهِ، الَّذِينَ أَحْسَنُوْا الظَّنَّ بِهِ وَبِرفاقِهِ، وَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ فَرَاحُوا يَحْكُمُونَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ أفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْفَرْدِ، بِسَبْعِ وَعِشْرِيْنِ دَرَجَةٍ.
حَكَمُوْا جَمَاعَةً؛ لِتَتَنَزَّلَ الْبَرَكَةُ، وَطُوْبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَهَامِّ مَنْصِبِهِ -وَلَوْ كَانَ رِئَاسَةً- عَلَى أَخِيْهِ -وَلَوْ كَانَ أحْمَقَ جَاهِلَاً-. وَلَا بَأْسَ؛ فَصَدَقَةٌ قَلِيلَةٌ، تَمْنَعُ بَلَاوِيَ كَثِيرَةً.
إِنَّ بَاعَةَ الْبَصَلِ يُنَادُوْنَ عَلَيْهِ فِي أَسْواقِنَا بِالرُّمَّانِ، وَبَاعَةَ التِّرْمِسِ يَصِيْحُوْنَ عَلَيْهِ يَا لَوْزَ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْطَلِيَ هَذَا الدَّلالُ عَلَى أحَدٍ. وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ، وَهُوَ تَعَالَى يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا :: إذا نَحنُ مِنْهُمْ سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنِيَــــــــا لَا يَــــــدُوْمُ نَعِيْمُهَا :: تَقَـــــــلَّبُ تَاْرَاْتٍ بِنَـــا وَتَصـــــــــــــَرَّفُ
إِنَّ أَيَّ مُجْتَمَعٍ تَهِيْ فِيْهِ عُرَى الْأخْلَاقِ، وَتَضْعُفُ فِيْهِ مُقَوِّمَاتُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ؛ هَيْهَاتَ أَنْ يُوَفَّقَ إِلَى تَأْسِيْسِ دَوْلَةٍ مَكِيْنَةٍ، أَوْ إقامَةِ حُكْمٍ رَشِيْدٍ.
إِنَّ النُّفُوسَ الدُّنْيا لَا يُمْكِنُهَا أَنَ تُقِيْمَ أَحْكَامَ الْعَلِيِّ الْأعْلَى، وَلَا تَسْتَطِيْعُ -وَهِيَ مُخْلِدَةٌ إِلَى الْأرْضِ- أَنْ تَسْتَجِيْبَ لِتَعَالِيْمِ الْوَحْيِ، أَوْ تَسْتَقِيْمَ مَعَ جَوِّهِ النَّقِيِّ الطَّهُورِ. وَالنُّفُوسُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِي أَهْوَائِهَا الصَّغِيْرَةِ؛ لَا تَفْقَهُ الدِّيْنَ، وَلَوْ فَقِهَتْهُ مَا أَصْلَحَتْ بِهِ شَيْئَاً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصْلُحَ هِيَ بِهِ.

فَيَا طَالِبَ الْعِلْمِ – بَارَكَ اللهُ فِيْكَ وَفِي عِلْمِكَ – اطْلُبْ الْعِلْمَ، وَاطْلُبْ الْعَمَلَ، وَادْعُ إِلَى اللهِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَلَا تَكُنْ خَرَّاجَاً وَلَّاجَاً فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَتَخْرُجَ مِنْ السَّعَةِ إِلَى الْقَوَالِبِ الضِّيقَةِ، فَالْإِسْلامُ كُلُّهُ لَكَ جَادَّةٌ وَمَنْهَجٌ، وَالْمُسْلِمُوْنَ جَمِيْعُهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ؛ وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلَا طَائِفِيَّةَ وَلَا حِزْبِيَّةَ فِي الْإِسْلامِ.
أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَصَدَّعَ، فَتَكُونَ نَهَّابَا بَيْنَ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأحْزَابِ الْغَالِيَةِ، تَعْقُدُ سُلْطَانَ الْوَلاَءِ وَالْبَرَاءِ عَلَيْهَا.
فَكُنْ طَالِبَ عِلْمٍ عَلَى الْجَادَّةِ؛ تَقْفُوْ الْأثَرَ، وَتَتَّبِعُ السُّنَنَ، تَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ، عَارِفَاً لِأهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ.
فَإِنَّ الْحِزْبِيَّةَ: لَذَاْتُ مَسَارَاتٍ، وَإِنَّ الْقَوَالِبَ الْمُسْتَحْدَثَةَ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا السَّلَفُ؛ لَمِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ عَنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤَدِّى إِلَى التَّفْرِيْقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَكَمْ أَوَهَنَتْ حَبْلَ الْإِخَاءِ فى الدِّيْنِ، وَغَشِيَتْ الْمُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِهَا الْغَوَاشِي.
وانْشِطَاْرُ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ وَالْفِرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لاَبُدَّ مِنْهُ، هِيَ ضَرْبَةُ لاَزِمٍ عَلَى الْأحْزَابِ وَالْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لاَبُدَّ مِنْ انْشِطَارِهَا، فَتَنْشَطِرُ الْجَمَاعَةُ -أَوْ الفِرْقَةُ، أَوْ الْحِزْبُ- إِلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَطِرُ كُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
كَانَ ذَلِكَ قَدِيْمَاً فِي الْأحْزَابِ الَّتِي نَشَأَتْ، وَالْفِرَقِ الَّتِي نَجَمَتْ؛ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلِيَّةِ، والْمُرْجِئِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ أُولَئِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْبَاطِلَةِ، فَانْشَقُّوْا وَتَمَزَّقُوْا، وَكُلٌّ يُكَفِّرُ كُلَّاً .
وَكَذَا الشَّأْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ بَصَرٌ أَبْصَرَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بَصِيْرَةٌ عَلِمَ، وَأَمَّا مَنْ طَمَسَ اللهُ عَيْنَ بَصِيْرَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ غِشَاوَةً؛ فَلَنْ يَرَى الْحَقَائِقَ اللّاَئِحَةَ، وَلَنْ يُبْصِرَ الدَّلائِلَ الْوَاضِحَةَ.
فَاحْذَرْ -رَحِمَكَ اللهُ- فِرَقَاً –أحْزَابًا، جَمَاعَاتٍ- طَافَ طَائِفُهَا، وَنَجَمَ بِالشَّرِّ نَاجِمُهَا، فَمَا هِيَ إلّا كَالْمَيَازِيْبِ تَجْمَعُ الْمَاءَ كَدَرَاً، وَتُفَرِّقُةُ هَدَرَاً؛ إلّا مَنْ رَحِمَهُ رَبُّكَ فَصَارَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإمَامُ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ عَلاَمَةِ أَهْلِ الْعُبُوْدِيَّةِ:
“الْعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْسَبُوا إِلَى اِسْمٍ، لَمْ يُشْتَهِرُوْا بَاسِمٍ يُعْرَفُوْنَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَسْمَاْءِ الَّتِي صَارَتْ أَعْلاَمًا لِأهْلِ الطَّرِيقِ، وَأَيْضَاً فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوْا بِعَمَلٍ وَاحِدٍ يَجْرِي عَلَيهِمْ اسْمُهُ، فَيُعْرَفُوْنَ بِهِ دُوْنَ غَيْرِه مِنْ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا آفَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَأَمَّا الْعُبُودِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا بَاسْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهَا، فَإِنَّهُ مُجِيْبٌ لِدَاعِيْهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا، فَلَهُ مَعَ كُلِّ أهْلِ عُبُودِيَّةٍ نَصِيْبٌ، يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَسْمٍ وَلَا إشارَةٍ، وَلَا اسْمٍ وَلَا زِيٍّ، وَلَا طَرِيْقٍ وَضْعِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ؛ بَلْ إِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: “الرَّسُولَ”، وَعَنْ طَرِيْقِهِ قَالَ: “الْاِتِّبَاعَ”، وَعَنْ خِرْقَتِهِ قَالَ: “لِبَاسُ التَّقْوَى”، وَعَنْ مَذْهَبِهِ قَالَ: “تَحْكِيْمُ السُّنَّةِ”، وَعَنْ رِبَاطِهِ قَالَ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا مَسْتُوْرِينَ عَنْ النَّاسِ بِأَسْبَابِهِمْ، غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِمْ، وَلَا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دُوْنَ النَّاسِ، وَلَا مُنْتَسِبِيْنَ إِلَى اسْمِ طَرِيْقٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ شَيْخٍ أَوْ زِيٍّ؛ كَانُوْا بِمَنْزِلَةِ الذَّخَائِرِ الْمَخْبُوْئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الآَفَاْتِ؛ فَإِنَّ الآَفَاْتِ كُلَّهَا تَحْتَ الرُّسُوْمِ وَالتَّقَيُّدِ بِهَا، وَلُزُومِ الطُّرُقِ الْاِصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْأَوْضَاعِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَطَعَتْ أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَنْ اللهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللهِ”.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأئِمَّةِ عَنْ السَّنَةِ فَقَالَ : “مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ”. يَعْنِي أَنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَى السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا يَارَبَّ الْعَالَمَيْنَ.
أهْلُ الْإِسْلامِ لَيْسَ لَهُمْ رَسْمٌ سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ فِي الدَّعْوَةِ إلَيْهِمَا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَهُمْ كَمَا وَصْفَهُمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” وَهُمْ الَّذِيْنَ سَمَّاهُمْ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : الْجَمَاعَةَ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ: هُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُوْرَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ الْأَمِيْنُ، وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ، وَهُمْ الْمُنْتَسِبُوْنَ لِسُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَهُمْ الرّاغِبُوْنَ فِيْهَا دُوْنَمًا سِوَاهَا مِنْ الْأَهْوَاءِ لَمَّا مَالَتْ بِأهْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
وَلَمَّا تَشَعَّبْتْ بِالْأُمَّةِ الْأَهْوَاءُ صَارُوا هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُوْنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، وَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَهُمْ مَنْ تَبِعَ أثَرَهُمْ؛ وَهُمْ الَّذِيْنَ يَسِيْرُونَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ سَلَفِهِمْ الصَّالِحِيْنَ؛ لِهَذَا فَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى التَّمَيُّزِ بِلَقَبٍ، وَلَا رَسْمٍ، وَلَا اسْمٍ، وَلَا شِعَارٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمامُ الْبُرُوْزِ وَالظُّهُوْرِ لِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرِيفَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ إلّا حِيْنَ دَبَّتْ فى الْمُسْلِمِيْنَ الْفُرْقَةُ، وَتَعَدَّدْتْ عَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ الْفِرَقُ، وَتَكَاثَرَتْ الْأَهْوَاءُ، وَخَلَفَتْ الْخُلُوْفُ؛ فَبَرَزَتْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الشَّرِيْفَةُ لِلْتَمَيُّزِ عَنْ مَعَالِمِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَلْقَابٌ لَا تَخْتَصُّ بِرَسْمٍ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، زِيَادَةً أَوْ نَقْصَاً؛ وَإِنَّمَا يُمَثِّلُونَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْحالِ الْاِمْتِدَادَ الطَبْعِيِّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَاْبُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِي الشَّكْلِ وَالْمَضْمُوْنِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
إِنَّ أَيَّ فِرْقَةٍ -إِنَّ أَيَّ حِزْبٍ، إِنَّ أَيَّ جَمَاعَةِ- تَعِيْشُ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاسْمٍ أَوْ رَسْمٍ خَاصٍّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّمَا هِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ مِنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ، بِقَدْرِ مَا لَدَيْهَا، أَوْ مَا تَفْتَقِدُهُ مِنْ شَرِيْعَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيْمِ.
وَعَلَيْهِ؛ فَاَلْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، لِمَ تُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ – رِضْوانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ -؟!
وَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ تَكُوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ الْمُؤَيَّدُوْنَ، وَهُمْ الْمَنْصُوْرُوْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -.
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحاجَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ أَمْرَاضَهَا، وَلَا أَنْ تُشْفَي عِلَلُهَا، وَلَا أَنْ تَبْرَأَ أسْقَامُهَا؛ إلّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إلّا بِأَنْ تَكَوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ، وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَابُهُ – رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجَمْعَيْنَ -.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ الْغُمَّةَ، وَأَنْ يُزِيْلَ الْمُلِمَّةَ، وَأَنْ يَجْمَعَ الْجَمِيْعَ عَلَى طَاعَتِهِ؛ إِنَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيْرٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْواجِهِ وَآَلِهِ أَجَمْعَيْنَ.

الإضرابات والاعتصامات في مصر

فهذه صفحة من صفحات تاريخ أمتنا، وهي في أجلِّ زمنٍ وأعظمه ، مرَّ بهذه الأمة ومرَّت الأمةُ به ، في عهد عمر – رضي الله عنه – على إثْرِ ما كان من الخلافة الراشدة للصديق – رضي الله عنه – ، على منهاج نبوة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فقد كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ، ينعمون بأنباء النصر ، الذي حالف جند الإسلام في العراق والشام ، وينعمون بأخماس الفيء تَرِدُ إلى الخليفة ، يُقَسِّمُها بينهم أعطيات أعطيات ، تزيدهم رخاءً ، وتنقلهم من شَظَفِ البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لِيْنَاً وطراوةً ، زادتهم هذه الأعطياتُ قدرةً على أن يبتاعوا من تجارة اليمن ، ومن تجارة الشام ما يشاؤون ، وأن يقتنوا من خيراتِ مصر ، تجييءُ إليهم محمولة على السفن ، ما يجدون في اقتنائه متاعًا لم يكن لهم من قبلُ بمثله عهد .
وإنهم لكذلك ناعمون إذ فَجَاَهُم أمران كبيران؛ فقد أصيبوا في أخريات السنة السابعة عشر وطيلة السنة التي تَلَتْهَا بِهَوْلَيْنِ عَظيمَيْن ، أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة ، وأصاب الآخر إخوانهم المجاهدين في الميادين ، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال ، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع ، والحرث والنسل ، وأصابَ الناسَ منها أشد الجهد والبلاء .
وأما الهول الثاني فطاعون عَمَوَاس ، الذي امتد من الشام إلى العراق ، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساءً ، جندًا ومدنيين ، حتى ارتاع له عمرُ وارتاع له الناس جميعًا أيما ارتياع ، وأصيب المسلمون في مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بل في شبه الجزيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، بمجاعة وقحط ، كان من آثاره ما يأتي بعدُ .
وأصيب المسلمون في ميادين القتال وما حولها من الأرض المفتوحة في الشام والعراق بالطاعون ، الذي فَتَكَ بهم فتكاً ذريعًا ، واستشرى فيهم كالنار في الهشيم ، وسبب المجاعة أن أمسك الله المطر عن شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة ، وأن تحرَّكَتْ الطبقات البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل ما عليه من نبات ، فصارت الأرض سوداء مُجْدِبَةً ، كثيرة التراب ، فإذا رِيْحَتْ سَفَتْ رمادًا ، إذا جاءتها الريحُ سفَت الرماد ، حتى سُمِّيَ العام بعام الرَّمَادَة ، تخَدَّدَتْ فيه الأرض أخاديد أخاديد ، وصار الناسُ فيه إلى جوع شديد ، وكل ذلك في مدينة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها من أرض الجزيرة كلها ، وكل ذلك في عهد الفاروق عمر – رضي الله عنه – ، ومعه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مَنْ معه .
ونشأ عن إمساك المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوعٌ أهلكَ الناس والأنعام ، وقد فَنِيَ الكثير من قطعان الغنم والماشية ، وجفَّ ما بقيَ منها ، حتى كان الرجل يذبح الشاة يعافها لقبحها برغم جوعه وبلواه ، ولكن لا يجد من نفسه على مثل هذا الشيء إقبالًا ، ومن ثَمَّ أقْفَرَت الأسواق فلمْ يبقَ فيها ما يُباع ويُشترى ، وأصبحت الأموال في أيدي أصحابها لا قيمة لها ، إذ لا يجدون لقائها ما يسد رَمَقَهُم ، ولا ما يقيم أوْدَهُم ، وطال الجَهْدُ واشتد البلاء ؛ فكان الناس في عهد عمر – رضي الله عنه – وفي مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها ؛ كان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ، يُخرِجون ما فيها من تلك الحيوانات .
كان أهل المدينة – مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أحسن من غيرهم حالًا أولَ العهد بالمجاعة ، فالمدينة حَضَر ، ادَّخَر أهلُها حين الرخاء ما اعتاد أهلُ الحَضَر ادِّخاره ؛ فلما بدأ الجدبُ جعلوا يُخرجون ما ادَّخَروا يعيشون منه ، أما أهل البادية فلم يكن لهم مُدَّخَرٌ فاشتد بهم الكرب من أول الأمر ، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ، ويلتمسون لدى أهلها فتاتًا يقيمهم ، وازداد هؤلاء اللاجئون عددًا فضاقت بهم مدينة الرسول ، واشتد بأهلها البلاء ، وصاروا في مثل حال أهل البادية جدْبًا ومَسْغَبَةً وجوعًا .
ماذا يصنع عُمَرُ بنفسه ؟! وماذا يصنع بهؤلاء الجياع !؟ ….

استماع

ماذا لو حكم الإخوان مصر؟

الْيَوْمَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَعَطَائِهِ وَنِعْمَتِهِ- عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلَّمُ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذُوا فُرْصَتَهُمْ كَامِلَةً، حَتَّى صَارُوا عَلَى أَعْتَابِ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَحْلُمْ بِهِ يَوْمًا أَشَدُّهُمْ تَعَصُّبًا، وَأَكْثَرُهُمْ غُلُوًّا.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ صَارُوا -بِزَعْمِهِمْ- قَادِرِينَ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَإِنْزَالِ الْمَوْتِ الزُّؤَامِ، وَاسْتِيفَاءِ مَا يَظُنُّونَهُ حُقُوقًا أَجَّلَ اسْتِيفَاءَهَا احْتِدَامُ الصِّدَامِ مَعَ النِّظَامِ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَكَمْ سَكَتُّ عَنْهُمْ فِي أَحْوَالٍ مِنْ ضَعْفِهِمْ، وَحَيْصَتِهِمْ، وَارْتِبَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الْإِجْهَازَ عَلَى الْجَرْحَى، وَاتِّبَاعَ الْفَارِّينَ، وَالتَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ!!

وَمَا زِلْتُ أَطْمَعُ أَنْ يُعِينَنِي ذُو الْجَلَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ التَّمَسُّكِ بِأَهْدَابِ أَذْيَالِ أَخْلَاقِ عَصْرِ الْفُرُوسِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مَا يُعَانُونَ لِكَيْ يُحَقِّقُوا التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ عَصْرِ الْحُمُورِيَّةِ!!

وَكَمْ هُوَ عَسِيرٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ، بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ وَمَا هُوَ مَوْضُوعِيٌّ!!

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَتَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ حُكْمِ مِصْرَ؛ لِأُجِيبَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- عَنْ سُؤَالٍ مِنْ حَقِّ الْمَحْكُومِينَ عَلَى الْحَاكِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا إِجَابَتَهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ أُمُورُ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ جَمِيعًا، وَهِيَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْوُضُوحِ؛ إِذِ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، وَالْجَهْلُ قَتَّالٌ لِأَقْوَامٍ!

وَالْإِخْوَانُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الَّتِي آمَنُوا بِهَا، وَرَوَّجُوا لَهَا، وَبَلَغُوا بِهَا مَبَالِغَهُمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تُشْرَعُ سِهَامُهَا إِلَى نُحُورِهِمْ، وَتُصَوَّبُ خَنَاجِرُهَا إِلَى صُدُورِهِمْ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ شُوِّهَتْ فِيهِ مَعَالِمُ الشَّرِيعَةِ، وَحُرِّكَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا ثَوَابِتُهَا؛ بِحُجَّةِ تَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَكْثِيرِ الْمَصَالِحِ، وَمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدِّينِ السَّفَاهَةُ وَالْجُنُونُ؛ حَتَّى صَارُوا كَمَنْ سُئِلَ: كَمْ لِلْأَرْنَبِ مِنْ رِجْلٍ؟!! فَأَجَابَ: لِلْعُصْفُورِ جَنَاحَانِ!!

كَذَلِكَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا تَكَادُ تَشُكُّ فِي جُنُونِهِ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُتَكَلِّمًا، بَلْ هُاذِيًا، وَقَدْ جَحَظَتْ عَيْنَاهُ، وَانْقَلَبَتْ حَمَالِيقُهُ، وَسَبَقَ لِسَانُهُ عَقْلَهُ -إِنْ كَانَ لَهُ-، فَتَوَرَّطَ فِي سَبِّ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رُوجِعَ، اتَّهَمَ مَنْ سَمَّاهُمْ بِالْمَدَاخِلَةِ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُسْتَهْدَفٌ بِمُؤَامَرَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَاكَتْ أَطْرَافَهَا شَيَاطِينُ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٌ مِنْ كُلِّ جِنِّيٍّ مَارِدٍ وَجِنِّيَّةٍ.

وَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ، وَيُقِرَّ وَيُذْعِنَ، وَيَتَطَامَنَ وَيَخْشَعَ، وَيَفِيءَ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعُودَ إِلَى الرَّشَادِ، رَاحَ يُوَزِّعُ اتِّهَامَاتِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَنَاةِ الَّتِي يُسَبُّ فِيهَا بَوَاكِي!!

وَشَيْخُهَا يَعْتَذِرُ عَلَى الْهَوَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَعْتَذِرُ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمُعْتَذِرٍ.

وَآخَرُ يَأْمُرُ الْأَبْنَاءَ بِسَرِقَةِ الْآبَاءِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ عُقُوقِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَتَعْوِيدِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَدِّ أَيْدِيهِمْ إِلَى حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تُقْصَرَ، وَعَلَى اسْتِطَالَتِهَا حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُكَفَّ، وَالرَّجُلُ -مَعَ ذَلِكَ- صَاحِبُ ادِّعَاءَاتٍ عَرِيضَةٍ، وَتَهْوِيلَاتٍ سَخِيفَةٍ، وَلَكِنْ سَامِعُوهُ مِمَّنْ صَدَّقُوهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ!! بَلْ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ!!

وَثَالِثٌ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدَّعِي مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَيِّدْ مُرَشَّحَهُ الْمُفَضَّلَ، سَيَلْدَغُهُ الثُّعْبَانُ فِي الْقَبْرِ بِضْعَ سِنِينَ!!

وَلَيْسَ هَذَا سِوَى نَمُوذَجٍ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَسَخَافَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ يُبَعْثِرُهَا عَلَى أَسْمَاعِ الْمُغَيَّبِينَ فِي رُبُوعِ مِصْرَ الْمُبْتَلَاةِ بِهِمْ.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنِ ابْتَلَى اللهُ مِصْرَ بِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ.

أَتَطْمَعُ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُ سُعْدَى             وَتَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَكَ قَدْ عَصَاكَ؟!!

فَإِذَا كَانَ قَلْبُكَ يَعْصِيكَ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَيْكَ وَلَا يُطِيعُكَ، أَفَتَطْمَعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُهَا؟!!

مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ!

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ عَدْلِ عُمَرَ وَإِنْصَافِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَدْلِ مَا يُقِيمُونَ بِهِ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ مَعَ مُؤَالِفِيهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِمُخَالِفِيهِمْ؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَنْ تُطَبَّقَ إِلَّا بِجِيلٍ طَبَّقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَصَبَغَ بِهَا حَيَاتَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَضَحَتْ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ بِأَخْلَاقِ الْمَسْجِدِ، لَا كَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ بِأَخْلَاقِ السُّوقِ!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ، فَأَيْنَ هِيَ الْعَقِيدَةُ فِي دَعْوَتِكُمْ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَدْعَمُونَهَا، وَتُرَوِّجُونَ لَهَا، وَتُقَاتِلُونَ دُونَهَا، وَتُكَفِّرُونَ أَوْ تُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهَا؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، لِمَاذَا تُطِيلُونَ عَلى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ، وَتُصَعِّبُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ السَّهْلَ، وَتُبْعِدُونَ عَنِ الْمُحْسِنِينَ الْقَرِيبَ؟!!

إِنَّ الْجِيلَ الْمِثَالِيَّ الْأَوَّلَ أَقَامَ الشَّرِيعَةَ لَمَّا قَامَ بِهَا، وَأَرْسَى الدِّيَانَةَ لَمَّا تَدَيَّنَ بِهَا، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ لَمَّا عَمِلَ بِالْإِسْلَامِ وَعَاشَ الْإِسْلَامَ، وَثَبَّتَ دَعَائِمَ الْحَقِّ لَمَّا تَحَقَّقَ بِهِ، وَسَمَّعَ الدُّنْيَا فَسَمِعَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا لَمَّا تَخَلَّقَ بِهَا وَحَقَّقَهَا.

الْيَوْمَ مِنْ حَقِّ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَمِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، أَنْ نُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ:
مَاذَا لَوْ حَكَمَ الْإِخْوَانُ مِصْرَ -أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ-؟!!

استماع

كفانا غفلة

ففي “تلبيس إبليس” ذَكَرَ ابنُ الجوزي – غفر الله له – أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، وهو يدخل منه على الجهال بأمان ؛ فأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارَقَة، وقد لَبَّسَ إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم ، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يُحْكِم العلم، فأول تلبيسه عليهم: إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم : العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلوب ، وأن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح، العمل إنما هو للقلب وللجوارح على السواء؛ فلا تسيئن فهم كلامه – غفر الله له – .
قال مُطَرِّفُ بن عبد الله : “فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة”.
وقال يوسف بن أسباط: “باب من العلم تَتَعَلَّمُهُ، أفضل من سبعين غزاة”
وقال المُعَافى بن عمران: “كتابة حديث واحد أحب إليَّ من صلاة ليلة”
وقال ابن الجوزي: “فلما مر عليهم في هذا التلبيس” وآثروا التعبد بالجوارح على العلم؛ تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد.
وذكر بعضاً من تلبيسه على الحُجَّاجِ فقال: “قد يُسقِطُ الإنسانُ الفرضَ في الحج مرة، ثم يعودُ لا عن رضاء الوالدين؛ وهذا خطأ ، وربما خرج وعليه ديون أو مظالم، وربما خرج للنزهة، وربما حج بمال فيه شبهة، ومنهم من يحب أن يُتَلَقَّى إذا عاد، ويحب أن يُقال له “الحاج”، وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة، ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دَنِسَةٍ وبواطن غير نقية.

وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم، وإنما المراد من الحج القربُ بالقلوب لا بالأبدان فقط، وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى ، وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجَّاته، فيقول: “لي عشرون وقفة”. وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه، وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليها، وربما قال: إن لي اليوم عشرين سنة مجاوراً، قال: وكم رأيتُ في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقائه على الماء ويضايقهم في الطريق، وقد لبَّسَ إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة، فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا، ويظنون أن الحج يدفع عنهم، وقد لبَّسَ إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها.. ”
فمعلوم أن المعاصي والذنوب تُعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي ، وتضعف قوته، وعزيمته، فلا يصبر عليها ، بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيرُه، فيدرك الباطل حقا والحق باطلاً، والمعروف منكرا والمنكر معروفًا ، فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت لها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنب إلا هذه العقوبة لكانت داعية لتركها والبعد عنها والله المستعان .
فاحذر الذنوب فإنها تُعمي عين البصيرة ، وتميتُ القلب ، فإن لم تُمِتْهُ أضْعَفَتْهُ ، وفي ذلك كله هلاك الأبد ، فاتق الله ربك، وأمسك عليك لسانك ، واحمِ سمعك وبصرك، واحفظ قوى قلبك متوفرة على توحيد ربك، وعليك بالخلوص من الشرك ظاهرًا وباطنًا ، اعتقادًا وقولًا وعملًا ، والزم جادة التوحيد ، وخذ بأصول المتابعة، حتى تكون على منهج النبي الرشيد ، بالقول السديد، والعمل الموفَّق المجيد، وذلك كله بأن تكون على منهاج النبوة؛ ولن تكون حتى تُنَظِّفَ طريق الحق من قاذوراته، وقاذورات كل من سَلَكَ بغير حق يبغي إفساده وفساده على السالكين.

فلا يمكن أن تُعَدَّ سالكًا طريق الحق حتى تتوفر على تنظيف الطريق من كل ما يعلق به من شوائب من ليس من أهله، فإن هؤلاء من المدسوسين على أهل السنة إنما يريدون ان يحرفوهم على الصراط المستقيم، هؤلاء إنما هم من أتباع الشياطين ، وحالهم كما هو معلوم مكشوفٌ ظاهر معروف، وعلى كل من أراد الحق أن يلتمس الدليل وعليه ألا يتبع الهوى حتى لا يضله عن الصراط المستقيم وعن سواء السبيل .
احذر الذنب ؛ واعلم أن القلب كلما أذنب العبدُ ذنبًا نُكتت فيه نكتة سوداء ، فما يزال ذلك كذلك حتى يصير أسودَ مُرْبادَّاً كالكوز مُجَخِّيَاً لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هواه ، وهؤلاء الذين صاروا إلى هذا الحد لا خير فيهم ، إلا أن يتداركهم الله – تبارك وتعالى – برحمته .
وعلى المسلم الشحيح بدينه الحريص على آخرته أن يتوكل على الله ربه، وأن يجتهد في عمل الطاعات ، والبعد عن السيئات، وأن يُخلِص قلبه لله، وأن يكون على منهاج النبوة منهاج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، حتى يكون على الصراط المستقيم ، والهدى القويم ، بحمد الله تبارك وتعالى الكريم ، ومعونته وهو الرحمن الرحيم العليم ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

استماع

خلاصة النصيحة والبيان لإخواننا من الإخوان

[تنبيه : هذه الخطبة ألقيت في 2005 – رجاء مراجعة ملف الإخوان كاملًا]
.. نصيحة ودعاء لإخواننا من الإخوان , نسأل الله تعالى أن تكون خالصة لوجه الكريم , ونسأله تعالى أن يجمعنا على كلمة سواء وأن يهدينا وإياهم وأن يؤلف بين قلوبنا أجمعين ..
إن الله – تبارك وتعالى – الذي أكرمنا بالإسلام العظيم؛ لم يجعل لنا من مناصٍ إلى العودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – في كل حال وحين، وأمرنا الله – تبارك وتعالى – عندما يَدِبُّ التنازعُ بيننا بالعودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أمر الله – جَلَّت قدرته؛ بالعودة إلى كتابه وإلى سنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – ومحالٌ أن يأمر عند النزاع بالعودة إلى شيء لا يوجد فيه قطعُ النزاع وحسم مادته، خطاب الحكيم أنه إذا ما دل على شيء أن يكون كما دل عليه؛ وإلا كان القول عبثاً؛ فكيف إذا تعلق ذلك بأمر الله – جَلَّت قدرته – .
ولم يكرر الفعل عند أولي الأمر لأن طاعة أولي الأمر مشروطة بطاعة الله ورسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – .
… قال الدكتور الذي رأيه رأي الجماعة، والذي رأي الجماعة رأيه، وهو عضوٌ في مكتب إرشادها، يقول في صحيفة الدستور العدد التاسع عشر الإصدار الثاني بتاريخ الأربعاء 27/7/2005 : “لو يوافق الشعب على إلغاء المادة الثانية من الدستور يبقى خلاص، والمادة الثانية وهي الحكم بالشريعة ليست فرضًا على الناس، فإن المدخل الحقيقي للديموقراطية هو الاحتكام للشعب وتداول السلطة، وبالمناسبة: الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
لو كان رأيًا فرديًا لمررناه على مضض، ولكن الرجل يعيد ويزيد أن رأيه رأي الجماعة، وأن قوله قولهم، وأن ما يصدر عنه من قناعة هي قناعتهم، وإذن ؛ فبماعدلة يسيرة تستطيع أن تقول أن الكلام الذي سمعتَ هو رأي الجماعة كما يقول الرجل، الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
ثم يقول في تصريحات لجريدة العرب الناصري في العدد 879 سنة 11 الأحد 5/10/2003 : “نحن لا نعترض على اختيار مسيحيٍ رئيسًا لمصر بالانتخاب ، لأن هذا حق لأي مواطن بغض النظر عن ديانته وعقيدته السياسية ، حتى لو كان زنديقًا ، فمن حقه أن يرشح نفسه ، وإن اختاره الشعب فهذه إرادتهم، لأن البديل في هذه الحالة أن تحارِبَ الشعب وتصبحَ مستبدًا ، وهذا نرفضه تمامًا، فنحن مع ما يختاره الشعب أيًا كان” ..
لو كان هذا رأيه ما أَبِهْنَا له ، ولا التفتنا إليه ، وإنما هو رجل يقول ما يحلو له ، ولن يعدوَ قدرَه في نهاية الأمر ؛ فأما أن يصرِّحَ جازمًا في جريدة ناطقة باسم الجماعة ، أن رأيه رأيهم، وقوله قولهم، ثم يعجب ممن يشكك في الفصل بين قوله وقولهم …
استماع

نقض الإخوان في منهج الإخوان

إن من القواطع التي تحولُ ، دون وصول العقل إلي ما ينبغي أن يصل إليه من الحقائق الواضحات ، والمسلمات البدهيات ، أن يفكر الإنسان تفكيراً جمعيّاً ، بمعني أن لا يستقل بفكر ولا نظر ، ولاينفرد باتعاظ ، ولا اعتبار بأثر ، وإنما يكون سائرة مغلقة من فكر محدود ، يُفَكَّرُ له ولا يُفكِر ، ويُتذكّرُ له ولا يتذكَر ، ويُرسمُ له فيمضي مولياً شطر الغاية التي نُصبَت والهدف الذي رُسِمَ ، من غير ما قناعةٍ فكريةٍ عقليةٍ  ثابتةٍ راسخة قائمةٍ علي أصل ثابتٍ وقرارٍ مكين ، وإنما بعاطفةٍ حماسية تدفع المرء إلى السير كيفما اتُفقَ علي حسبِ ما رُسمَ من غير ما مراجعةٍ ولا معاودةٍ ولا مزيد اعتبارٍ ونظر.

وقد دلنا الله تبارك وتعالي علي الخروج من هذا القاطعِ ، يقول الله تبارك وتعالي آمراً نبيه – صلى الله عليه وسلم – أن يقول للمعاندين: “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ ”
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ : قُل يامحمد -صلى الله عليه وسلم- لۖمن يعاندكَ ويُحادُّك ويُشاقُّكَ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  ، بخصلةٍ واحده ،  { أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} ، أُخرِجُوا من فكر جمعي ضاغط مانع من الوصول إلي الحق ، إلي نظرٍ مجرد مستق ، مثني مثني ، أو فُرادي ، واحِدا واحِداً ، إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا.

في هذه الآيه شرطا كبيراً جليلا، أن تقوموا للّه ، متجردين ، من غير ما نوازع للهوي مُسبّقه ، ومن غير ما مرتكزات للفكر الضاغط موجهه ، أن تقوموا لله ! قوموا لله ثم تفكروا في حاله واعتبِرواْ بِمقالِه .

استماع

وفي أحداث الجزائر عبرة

فإن من أعجب الأمور فيما يوصف به العناد البغلي الذي لا يستقيم مع المنطق ولا يستقيم به منطق ، ما يمكن أن يجري عليه قول القائل :
أراد رجلٌ أن يغيظ امراته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ولا على نفسه أبقى ، وإنما هو لون من ألوان العناد لا يستقيم مع منطق ولا يستقيم به منطق ، وهو من المغالطات الكبيرة التي تأخذ بها النفس في حال ضعفها إلى قيام برهانها وسطوع حجتها.

وإن الخصاء العقلي الذي يمارسه أقوام ؛ لا يقع في مثل هذه المسائل على ذلك النحو ، من غير ما فارق يمكن أن يكون ، فإن العناد والحرونة ، والبعد عن القواعد الشرعية في الاستدلال ، والأخذ بنصوص الكتاب والسنة ، من فم الأئمة ، لخلوِّ الزمان من قائم بقضية الاستنباط على النحو المرعيِّ ، هذا كله أمر يمكن أن يُمَارَس فيه الخصاء الفكري ، تماماً كالذي أراد أن يغيظ امراته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ولا على نفسه أبقى .
وإن من عجائب المغالطات التي يحتار فيها المرء حقًا ، ويتأمل فيها مليِّاً فلا يجد له تفسيرًا ؛ أن يقوم الرجل من أهل الدعوة إلى الله رب العالمين ومن الساعين إلى تبوُّؤِ منصب الإمامة في الدين والجهاد والعلم ، هكذا أن يقوم الواحد وهو يسعى إلى هذا تحصيلاً ، بممارسة ما لا يمكن أن يُطلَق عليه وصفٌ شنيع ، ويأخذ كتابًا من كتب أهل العلم ، فلا يحقق مناطا ولا ينظر فيه تحصيلا ، وإنما يأخذ فيه مغالطًا ، عن وعيٍ فَعَل!؟ عن علمٍ أراد أن يصل إلى ما وصل إليه !؟ هذا أمر يعلمه الله رب العالمين وحده ؛ إذ إنه ربنا جل وعلا هو المطَّلِعُ وحده على ما في الضمائر وما تُكِنُّ الصدور.

ولكن تبقى الفَعْلَةُ شائهة ممجوجة ، تدل بذاتها على أمر له خبير ، ولئن كانوا العلماء قديما في مبحث الكفر والإيمان ، فرقوا بين التكفير المطلق وتكفير المعين ، فكذلك إذا ما نظرنا إلى تلك الوقائع المشوهة ، بمسخ كتب أهل العلم وهي بين أيدي الناس ، فلا يمكن إلا أن نقول على سبيل الإطلاق والعموم : ” من فَعَل ذلك فليس بمأمون ” وتلحق به من الأوصاف ما ينبغي أن يُلحَقَ بمثله إذا ما فعل مثل ذلك ، هذا على سبيل الإطلاق ، وأما على سبيل التعيين ؛ فكما قال العلماء في أمر المطلق والمعين : لابد من توفر شروط وانتفاء موانع.
والإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ، المتوفَّى سنة ثمان وسبعين وأربعمئة ، يلقَّبُ بإمام الحرمين لأنه أَمَّ بالحرم النبوي وبالحرم المكي ، وإمام الحرمين هو باني المدرسة الأشعرية الحديثة ، وله “العقيدة النظامية” بتحقيق الكوثري ، و”الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد” و “لُمَع الأدلة في عقائد أهل الملة” و “الشامل في أصول الدين” . وكان الجويني أبو المعالي إماما من أئمة الكلام في عصره ، وكان يقول بنفي الصفات على طريقة المعطلة ، وقد حكى شيخ الإسلام – رحمه الله – ما ذَكَرَهُ محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي الجويني يذكر على المنبر : ” كان الله ولا عرش ” يعني بذلك نفي الاستواء ، ونَفَى الاستواء على ما عُرِفَ من قوله.

قال شيخ الإسلام -إنصافا- : “وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين عجائز نيسابور ، فقال الشيخ أبو جعفر لما سمع منه ذلك على المنبر : “كان الله ولا عرش” ينفي الاستواء ، قال له الشيخ أبو جعفر : يا أستاذ ، دعنا من ذكر العرش – يعني لأن ذلك إنما جاء عن طريق النقل ، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ، ما قال عارفٌ قط : يا الله ، إلا وجد من قلبه معنىً يطلب العلو لا يلتفت يمنةً ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا أخذًا بمذهبك وتقريرا لما قلته وما جئت به من نفي الاستواء والعلو ، فما نصنع حتى ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا !؟ وسرق أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال : حيَّرني الهمذاني ونزل ، تاب عن هذا في آخر عمره رحمة الله عليه ، وكان له في الفقه باعٌ – رحمه الله -.

هذا الإمام – أبو المعالي – تصور أمرًا ما ، وكان عائشا في القرن الخامس الهجري ، وقد بَلَغَتْ الأمة الإسلامية قمة التمزق ، وصارت الأمة دويلات تحارب بعضها بعضا ، وصارت جملة كبيرة من تلك الدويلات إلى اعتقاد الروافض ، وبعدت عن منهج الكتاب والسنة ، بل وحاربت أهل السنة ، وقد كتب الجويني كتابا ، بناه عن تصور مستقبلي ، تصور أنه يقع في دنيا الله رب العالمين يوما.

فتصور الجويني خلوَّ الزمان من الإمام ، وكتب كتابا كبيرا جعل فيه مقدمة أرْبَت عن نصف الكتاب ، تكلم في تلك المقدمة عن كثير من أمور الإمامة بأحكامها ، ودافع بالكتاب عن نظام الملك ، وكان وزيرًا للسلطان ألب أرسلان ، ولم يكن – وهو المصرف لأمور الدولة في عهده – لم يكن مستحقا أن يكون إمامٌ لأن للإمامة شروطاً ، ومع ذلك كتب الجويني الكتاب ودافع فيه عن نظام الملك دفاعا مجيدا ، بل إنه ذكر في المقدمة أن كاتب الكتاب – يعني نفسه – إنما هو من خُدَّام الحضرة النظامية.

والحق يُقال : إن نظام الملك كان على مذهب أهل السنة من حيث الإطلاق ، بمعنى أنه كان في قبيل يوازي الشيعة ويضادها في آن ، وكان ناصرًا لمنهج أهل السنة بإطلاق ، يعني على العقيدة الأشعرية التي كان الجويني مقررا لها ، ومؤسسا ثانيا لأصولها ، وتصور الجويني عليه الرحمة خلو الزمان من الإمام ، فقال : “……

استماع