حكم الإخوان .. دروس وعبر

فَإِنَّ أَخَطَرَ مَا يُصِيبُ أُمَّةً بَعْدَ تَحَوُّلٍ مُجْتَمَعِيٍ هَائِلٍ، وَتَغْيِيْرٍ سِياسِيٍ شَامِلٍ؛ أَنَ تُكِبَّ عَلَى التَّشَفِّي وَالشَّمَاتَةِ وَالْاِنْتِقامِ. إِنَّ رُوْحَ الْاِنْتِقامِ وَالشَّمَاتَةِ رُوْحٌ نَجِسَةٌ، لَا تَسْكُنُ إلّا الْخَرَائِبَ، وَلَا تَنْعَبُ إلّا عَلَى الْأَطْلاَلِ. وَحَرِيٌّ بِمُجْتَمَعٍ يَتَعَثَّرُ فِيْ أَذيَالِ مُعَاْنَاْتِهِ؛ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى سَلاَمَةِ خَطْوِهِ وَاْسْتِقَاْمَةِ خُطْوَاتِهِ.
إِنَّ رُوْحَ التَّسَامُحِ والتَّغَافُرِ وَالصَّفْحِ؛ رُوْحٌ طَيِّبَةٌ طَهُوْرٌ، وَمَاْ أَحَوْجَ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ إِلَىْ غَسْلِ أوْزَارِهِمْ بِضِيَائِهَا، وَإِزَالَةِ أدْرَانِهِمْ بِطِيْبِهَا وَنُوْرِهَا.
وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ تَجْرِبَةِ الْإِخْوَانِ الْفاشِلَةِ؛ لاَئِحَةٌ مَعَالِمُهُ، لَا تُخْطِئُهَا عَيْنٌ بَاصِرَةٌ، وَلَا مُقْلَةٌ مُبْصِرَةٌ، إلّاْ قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ كُهُوْفٍ كَالْقُبُورِ، إِلَى الْبَراْحِ وَإِلَىْ النُّوْرِ، فَأَبَوْاْ إلّا أَنْ يَصْحَبُوا ظُلْمَةَ الْكُهُوفِ، وَيَحْيَوْا فِي ضِيْقِ الْقُبُورِ.
مَا أَضْيَعَ أمَّةً يَحْذُو بِرَكْبِ دَعْوَتِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ: الْمُبْتَدِعُونَ الْجَاهِلُونَ، الْمُتَعَالِمُوْنَ الْمُغَامِرُونَ.
لَقَدْ كَانَ أكْبَرَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ كُبْرَى خَطَايَاهُمْ؛ أَنْ صَرَفُوا جُهْدَهُمْ، وَوَفَّرُوا طَاقَتَهُمْ، عَلَى التَّمْكِيْنِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنَّهُ أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والاسْتِخْلَافِ الَّذِي آَمَنُوا أَنَّهُ قَدْ سِيْقَ إِلَيهِمْ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِخْوَانُ لَحْظَةً لِيَتَدَبَّرُوا: أَهُمُ الْمَعْنِيِّونَ بِالتَّمْكِينِ حَقًّـًا؟ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُهُ صِدْقَــًا؟.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [النور: 55].
حَسِبَ الْإِخْوَانُ أَنَّهُمْ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الطَّهُورِ، دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ، وَتَعَامَوْا عَنْ الْمَعْنَى اللَّطِيْفِ فِي الْنَّظْمِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ اَبْتَدْعَوا مِنْكُمْ، ولا: الَّذِينَ حَالَفُوا أهْلَ الشِّرْكِ مِنْكُمْ، وَلَا: الَّذِينَ وَالَوْا الْأَعْدَاءَ وَعَادَوْا الْأَوْلِيَاءَ مِنْكُمْ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ “.
وَاللهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يَقُلْ: وَعَمِلُوا الطَّالِحَاتِ، وَلَا: وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، وَلَا وَعَمِلُوا الْمُوبِقَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: “وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”.
وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”، و”شَيْئًا”: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَهِي تُفِيدُ الْعُمُومَ.
فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُرُوطِ التَّمْكِينِ هَذِهِ !؟
مَثَلُ الْإِخْوَانِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَـاً ::: شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
لَقَدْ كُنْتُ أُبْصِرُ وَأَسْمَعُ كُلَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّمْكِينِ الْمَزْعُومِ، وَكُنْتُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ أَنَّهُمْ لَنْ يُمْكَّنُوا؛ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أهْلَ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَمَنْ عَرَفَ صَنِيْعَ وَزِيْرِ الْأَوْقَافِ الْإِخْوَانِيِّ وَهُوَ يَنْفِي أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءةِ وَالصِّدْقِ، وَيَأْتِي بِآَخَرِيْنَ مِنْ أهْلِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْجَهْلِ؛ عَرَفَ تَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [الملك:22]، وَتَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5] ، وَعَلِمَ كَيْفَ يَكُونُ عَبَثُ الْعَابِثِينَ، وَتَخْلِيطُ الْمُخَبَّلِينَ.
لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ؛ فَأَمُرُّ بِهِ مُرُورَ الْكِرَامِ الْمُعْرِضِيْنَ عَن اللَّغْوِ، وَفِي أُذُنَيَّ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَكَانَتْ كَعَنْزِ السَّوْءِ قَامَتْ لِحَتْفِهَا ::: إِلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ الثَّرَى تَسْتَثِيرُهَا
لَقَدْ كَانَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَانْقَضَتْ بِهِ حِكْمَةُ اللهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ؛ أَنْ ابْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامَـًا كَامِلَاً، بَلْ حَوْلًا أَكْتَعَـًا؛ بِرُؤْيَةِ وُجُوْهِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ -مِنْ الْإِخْوَانِ وَأَشْيَاعِهِمْ-؛ بِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيهَا مِنْ سَوَادِ الْبِدْعَةِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
وَاُبْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامًا أَكْتَعَـًا بِسَمَاعِ نَعِيبِهِمْ وَتَخَارِيْفِهِمْ؛ فِي مَكْرِهِمْ وَمُخَادَعَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الْأَكْتَعُ: فَهُوَ حَوْلُ الذَّلْفَاءِ فِي طُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، دُونَ مَبَاهِجِهِ وَلَذَّاتِهِ.
يــا لَيْتَنِي كُنْـتُ صَبِيَّــاً مُـــرْضَــعَا :: تَحْمِلُنِي الذَّلْفَــــــــاءُ حَــــوْلاً أكْتَعَا
إذا بَكَيْـــــــتُ قَبَّـــــــــلَتْنِي أرْبَــــــــعَا :: إذًا ظَلِلْتُ الْعُمْرَ أبْكِي أجْمَعَا
إِنَّ أَخَطَرَ مَا يُوَاجِهُ مُجْتَمَعَاً بَعْدَ التَّحَوُّلَاتِ الْحَادَّةِ، وَالْاِضْطِرابَاتِ الْعَنِيفَةِ؛ مَا يُسَمِّيهِ الْبَاحِثُونَ بِالرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ. وَالرُّومانْسِيَّةُ الثَّوْرِيَّةُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَعِيْشُهَا الْجَمَاهِيرُ وَقْتَاً يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ، تَعْتَقِدُ فِيْهِ الْخَيَالَ حَقِيقَةً، وَالْمِثَالَ وَاقِعًا.
فَإِذَا وَسَّدَتْ الْأُمَّةُ أَمْرَهَا إِلَى أحَدِ أَبْنَاْئِهَا؛ طَالَبْتْهُ الْجَمَاهِيرُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَيَالَ شَاخِصًا، وَالْبَعيدَ دَانِيًا، وَالْمُسْتَحِيلَ مُمْكِنًا. وَحَاسَبَتْهُ حِسَابًا عَسِيرَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ.
إِنَّ النَّاسَ لَا يَنْقِمُوْنَ غَالِبًا إِلَّا وَاقِعَاً خَشِنَاً، تَبْرُزُ أَنْيَابُ مُعَانَاتِهِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ أَغْوَالِ، وَيَسِيرُ النَّاسُ فِيْهِ عَلَى مِثْلِ حَدِّ الْمُوْسَى تَأَلُّمَاً وَصُرَاخَاً.
وَعَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ يَفْزَعُونَ عَنْ وَاقِعِهِمْ إِلَى الرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ؛ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الْوَاقِعِيَّةِ الْحَياتِيَّةِ؛ بِرِفْقٍ وَحُنُوٍ، وَصَبْرٍ وَإِخْلاَصٍ، وَمُصَارَحَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ، وَإلّا يَفْعَلْ؛ يَزْدَدْ سَخَطُهُمْ، وَلَا تُؤْمَنْ نِقْمَتُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قُومَاً لَا يَفْقَهُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوْا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ.
وَقَدْ كُنْتُ نَبَّهْتُ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِلَيْهِ، فِي مَعْرِضِ نُصْحِهِمْ، بِتَقْويمِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ انْحِرافِهِمْ، عَامَ ألْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ، وَهُمْ يُنَافِسُونَ عَلَى مَقَاعَدِ الْبَرْلَمانِ حِينَ ذَاكَ، وَقَدْ جَعَلُوا أَصْلَ دِعَايَتِهِمْ: الْإِسْلامُ هُوَ الْحَلُّ.
وَقَدْ كُنْتُ تَسَائَلْتُ مَا مَعْنَى هَذَا الشِّعَارِ فِي السِّياقِ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ؟!
أَلَا إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الْحَلُّ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَالْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي سِيَاقِ الدِّعَايَةِ الانْتِخابِيَّةِ الإِخْوَانِيَّةِ؛ يَنْصَرِفُ إِلَى حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمُعَالَجَةِ هُمُوْمِهِمُ الْحَياتِيَّةِ.
وَقُلْتُ وَقْتَهَا: لَوْ اخْتَارَكُمْ النَّاسُ لِأَجْلِ هَذَا الشِّعَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَسَيُطَالِبُوْنَكُمْ غَدَاةَ تَوَلِّيْكُمْ الْحُكْمَ بِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَفْعِ دُخُولِهِمْ، وَتَحْسِيْنِ حَيَاتِهِمْ، وَسَيُطَالِبُكُمْ كُلٌّ بِبَيْتٍ أَنِيْقٍ، وَسَيَّارَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَمَدَارِسَ لِلْأَبْنَاءِ مُتَطَوِّرَةٍ، وَدَخْلٍ لِلْأُسْرَةِ يَجْنَحُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَتَقُوْلُوْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ: “لِيَرْبِطْ كُلٌّ مِنْكُمْ عِنْدَ الْجُوعِ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا، وَلَكُمْ فِي الرَّسُولِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقَدْ كَانَ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ؛ جُوْعُوا تَصِحُّوا، وَعَلَيكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسُّلْوَانِ”.
وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَسَيَكْفُرُوْنَ بِشِعَارِكُمْ، وَسَيَكْتَشِفُوْنَ كَذِبَكُمْ وَزَيْفَكُمْ؛ وَذَلِكَ مَا كَانَ.
ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةٌ فَارِقَةٌ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، كَانَتْ مِصْرُ فِيْهَا –بِسَبَبِهِمْ- مِنْ الْارْتِبَاكِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّضَارُبِ فِي نِهَايَةٍ، وَتَصَدَّرَ الْإِخْوَانُ الصُّفُوْفَ حَاكِمِينَ، فَهَوَوْا إِلَى الْقَاعِ مُسْرِعِيْنَ، وَتَسَارَعُوْا إِلَى الْإخْفَاقِ مُهْطِعِيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَحْكُمُوْنَ بَاسِمِ الدِّيْنِ.
وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، أَنَّ بَعْضَ قَادَتِهِمْ مُدْرَجٌ فِي قَائِمَةِ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الْعَالَمِ؛ فَكَيْفَ لَمْ يَجُدْ عَلَى بَلَدِهِ وَأَهَلِهِ بِنِصْفِ ثَرْوَتِهِ، بِثُلُثِهَا، بِرُبُعِهَا، بِخُمْسِهَا، بِعُشْرِهَا؟!، بَلْ كَيْفَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ اِقْتِصَادِ بَلَدِهِ، وَمَا لِأَهْلِ وَطَنِهِ، الَّذِينَ أَحْسَنُوْا الظَّنَّ بِهِ وَبِرفاقِهِ، وَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ فَرَاحُوا يَحْكُمُونَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ أفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْفَرْدِ، بِسَبْعِ وَعِشْرِيْنِ دَرَجَةٍ.
حَكَمُوْا جَمَاعَةً؛ لِتَتَنَزَّلَ الْبَرَكَةُ، وَطُوْبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَهَامِّ مَنْصِبِهِ -وَلَوْ كَانَ رِئَاسَةً- عَلَى أَخِيْهِ -وَلَوْ كَانَ أحْمَقَ جَاهِلَاً-. وَلَا بَأْسَ؛ فَصَدَقَةٌ قَلِيلَةٌ، تَمْنَعُ بَلَاوِيَ كَثِيرَةً.
إِنَّ بَاعَةَ الْبَصَلِ يُنَادُوْنَ عَلَيْهِ فِي أَسْواقِنَا بِالرُّمَّانِ، وَبَاعَةَ التِّرْمِسِ يَصِيْحُوْنَ عَلَيْهِ يَا لَوْزَ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْطَلِيَ هَذَا الدَّلالُ عَلَى أحَدٍ. وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ، وَهُوَ تَعَالَى يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا :: إذا نَحنُ مِنْهُمْ سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنِيَــــــــا لَا يَــــــدُوْمُ نَعِيْمُهَا :: تَقَـــــــلَّبُ تَاْرَاْتٍ بِنَـــا وَتَصـــــــــــــَرَّفُ
إِنَّ أَيَّ مُجْتَمَعٍ تَهِيْ فِيْهِ عُرَى الْأخْلَاقِ، وَتَضْعُفُ فِيْهِ مُقَوِّمَاتُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ؛ هَيْهَاتَ أَنْ يُوَفَّقَ إِلَى تَأْسِيْسِ دَوْلَةٍ مَكِيْنَةٍ، أَوْ إقامَةِ حُكْمٍ رَشِيْدٍ.
إِنَّ النُّفُوسَ الدُّنْيا لَا يُمْكِنُهَا أَنَ تُقِيْمَ أَحْكَامَ الْعَلِيِّ الْأعْلَى، وَلَا تَسْتَطِيْعُ -وَهِيَ مُخْلِدَةٌ إِلَى الْأرْضِ- أَنْ تَسْتَجِيْبَ لِتَعَالِيْمِ الْوَحْيِ، أَوْ تَسْتَقِيْمَ مَعَ جَوِّهِ النَّقِيِّ الطَّهُورِ. وَالنُّفُوسُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِي أَهْوَائِهَا الصَّغِيْرَةِ؛ لَا تَفْقَهُ الدِّيْنَ، وَلَوْ فَقِهَتْهُ مَا أَصْلَحَتْ بِهِ شَيْئَاً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصْلُحَ هِيَ بِهِ.

فَيَا طَالِبَ الْعِلْمِ – بَارَكَ اللهُ فِيْكَ وَفِي عِلْمِكَ – اطْلُبْ الْعِلْمَ، وَاطْلُبْ الْعَمَلَ، وَادْعُ إِلَى اللهِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَلَا تَكُنْ خَرَّاجَاً وَلَّاجَاً فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَتَخْرُجَ مِنْ السَّعَةِ إِلَى الْقَوَالِبِ الضِّيقَةِ، فَالْإِسْلامُ كُلُّهُ لَكَ جَادَّةٌ وَمَنْهَجٌ، وَالْمُسْلِمُوْنَ جَمِيْعُهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ؛ وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلَا طَائِفِيَّةَ وَلَا حِزْبِيَّةَ فِي الْإِسْلامِ.
أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَصَدَّعَ، فَتَكُونَ نَهَّابَا بَيْنَ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأحْزَابِ الْغَالِيَةِ، تَعْقُدُ سُلْطَانَ الْوَلاَءِ وَالْبَرَاءِ عَلَيْهَا.
فَكُنْ طَالِبَ عِلْمٍ عَلَى الْجَادَّةِ؛ تَقْفُوْ الْأثَرَ، وَتَتَّبِعُ السُّنَنَ، تَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ، عَارِفَاً لِأهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ.
فَإِنَّ الْحِزْبِيَّةَ: لَذَاْتُ مَسَارَاتٍ، وَإِنَّ الْقَوَالِبَ الْمُسْتَحْدَثَةَ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا السَّلَفُ؛ لَمِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ عَنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤَدِّى إِلَى التَّفْرِيْقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَكَمْ أَوَهَنَتْ حَبْلَ الْإِخَاءِ فى الدِّيْنِ، وَغَشِيَتْ الْمُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِهَا الْغَوَاشِي.
وانْشِطَاْرُ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ وَالْفِرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لاَبُدَّ مِنْهُ، هِيَ ضَرْبَةُ لاَزِمٍ عَلَى الْأحْزَابِ وَالْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لاَبُدَّ مِنْ انْشِطَارِهَا، فَتَنْشَطِرُ الْجَمَاعَةُ -أَوْ الفِرْقَةُ، أَوْ الْحِزْبُ- إِلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَطِرُ كُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
كَانَ ذَلِكَ قَدِيْمَاً فِي الْأحْزَابِ الَّتِي نَشَأَتْ، وَالْفِرَقِ الَّتِي نَجَمَتْ؛ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلِيَّةِ، والْمُرْجِئِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ أُولَئِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْبَاطِلَةِ، فَانْشَقُّوْا وَتَمَزَّقُوْا، وَكُلٌّ يُكَفِّرُ كُلَّاً .
وَكَذَا الشَّأْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ بَصَرٌ أَبْصَرَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بَصِيْرَةٌ عَلِمَ، وَأَمَّا مَنْ طَمَسَ اللهُ عَيْنَ بَصِيْرَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ غِشَاوَةً؛ فَلَنْ يَرَى الْحَقَائِقَ اللّاَئِحَةَ، وَلَنْ يُبْصِرَ الدَّلائِلَ الْوَاضِحَةَ.
فَاحْذَرْ -رَحِمَكَ اللهُ- فِرَقَاً –أحْزَابًا، جَمَاعَاتٍ- طَافَ طَائِفُهَا، وَنَجَمَ بِالشَّرِّ نَاجِمُهَا، فَمَا هِيَ إلّا كَالْمَيَازِيْبِ تَجْمَعُ الْمَاءَ كَدَرَاً، وَتُفَرِّقُةُ هَدَرَاً؛ إلّا مَنْ رَحِمَهُ رَبُّكَ فَصَارَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإمَامُ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ عَلاَمَةِ أَهْلِ الْعُبُوْدِيَّةِ:
“الْعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْسَبُوا إِلَى اِسْمٍ، لَمْ يُشْتَهِرُوْا بَاسِمٍ يُعْرَفُوْنَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَسْمَاْءِ الَّتِي صَارَتْ أَعْلاَمًا لِأهْلِ الطَّرِيقِ، وَأَيْضَاً فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوْا بِعَمَلٍ وَاحِدٍ يَجْرِي عَلَيهِمْ اسْمُهُ، فَيُعْرَفُوْنَ بِهِ دُوْنَ غَيْرِه مِنْ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا آفَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَأَمَّا الْعُبُودِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا بَاسْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهَا، فَإِنَّهُ مُجِيْبٌ لِدَاعِيْهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا، فَلَهُ مَعَ كُلِّ أهْلِ عُبُودِيَّةٍ نَصِيْبٌ، يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَسْمٍ وَلَا إشارَةٍ، وَلَا اسْمٍ وَلَا زِيٍّ، وَلَا طَرِيْقٍ وَضْعِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ؛ بَلْ إِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: “الرَّسُولَ”، وَعَنْ طَرِيْقِهِ قَالَ: “الْاِتِّبَاعَ”، وَعَنْ خِرْقَتِهِ قَالَ: “لِبَاسُ التَّقْوَى”، وَعَنْ مَذْهَبِهِ قَالَ: “تَحْكِيْمُ السُّنَّةِ”، وَعَنْ رِبَاطِهِ قَالَ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا مَسْتُوْرِينَ عَنْ النَّاسِ بِأَسْبَابِهِمْ، غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِمْ، وَلَا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دُوْنَ النَّاسِ، وَلَا مُنْتَسِبِيْنَ إِلَى اسْمِ طَرِيْقٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ شَيْخٍ أَوْ زِيٍّ؛ كَانُوْا بِمَنْزِلَةِ الذَّخَائِرِ الْمَخْبُوْئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الآَفَاْتِ؛ فَإِنَّ الآَفَاْتِ كُلَّهَا تَحْتَ الرُّسُوْمِ وَالتَّقَيُّدِ بِهَا، وَلُزُومِ الطُّرُقِ الْاِصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْأَوْضَاعِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَطَعَتْ أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَنْ اللهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللهِ”.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأئِمَّةِ عَنْ السَّنَةِ فَقَالَ : “مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ”. يَعْنِي أَنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَى السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا يَارَبَّ الْعَالَمَيْنَ.
أهْلُ الْإِسْلامِ لَيْسَ لَهُمْ رَسْمٌ سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ فِي الدَّعْوَةِ إلَيْهِمَا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَهُمْ كَمَا وَصْفَهُمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” وَهُمْ الَّذِيْنَ سَمَّاهُمْ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : الْجَمَاعَةَ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ: هُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُوْرَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ الْأَمِيْنُ، وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ، وَهُمْ الْمُنْتَسِبُوْنَ لِسُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَهُمْ الرّاغِبُوْنَ فِيْهَا دُوْنَمًا سِوَاهَا مِنْ الْأَهْوَاءِ لَمَّا مَالَتْ بِأهْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
وَلَمَّا تَشَعَّبْتْ بِالْأُمَّةِ الْأَهْوَاءُ صَارُوا هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُوْنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، وَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَهُمْ مَنْ تَبِعَ أثَرَهُمْ؛ وَهُمْ الَّذِيْنَ يَسِيْرُونَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ سَلَفِهِمْ الصَّالِحِيْنَ؛ لِهَذَا فَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى التَّمَيُّزِ بِلَقَبٍ، وَلَا رَسْمٍ، وَلَا اسْمٍ، وَلَا شِعَارٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمامُ الْبُرُوْزِ وَالظُّهُوْرِ لِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرِيفَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ إلّا حِيْنَ دَبَّتْ فى الْمُسْلِمِيْنَ الْفُرْقَةُ، وَتَعَدَّدْتْ عَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ الْفِرَقُ، وَتَكَاثَرَتْ الْأَهْوَاءُ، وَخَلَفَتْ الْخُلُوْفُ؛ فَبَرَزَتْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الشَّرِيْفَةُ لِلْتَمَيُّزِ عَنْ مَعَالِمِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَلْقَابٌ لَا تَخْتَصُّ بِرَسْمٍ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، زِيَادَةً أَوْ نَقْصَاً؛ وَإِنَّمَا يُمَثِّلُونَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْحالِ الْاِمْتِدَادَ الطَبْعِيِّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَاْبُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِي الشَّكْلِ وَالْمَضْمُوْنِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
إِنَّ أَيَّ فِرْقَةٍ -إِنَّ أَيَّ حِزْبٍ، إِنَّ أَيَّ جَمَاعَةِ- تَعِيْشُ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاسْمٍ أَوْ رَسْمٍ خَاصٍّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّمَا هِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ مِنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ، بِقَدْرِ مَا لَدَيْهَا، أَوْ مَا تَفْتَقِدُهُ مِنْ شَرِيْعَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيْمِ.
وَعَلَيْهِ؛ فَاَلْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، لِمَ تُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ – رِضْوانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ -؟!
وَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ تَكُوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ الْمُؤَيَّدُوْنَ، وَهُمْ الْمَنْصُوْرُوْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -.
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحاجَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ أَمْرَاضَهَا، وَلَا أَنْ تُشْفَي عِلَلُهَا، وَلَا أَنْ تَبْرَأَ أسْقَامُهَا؛ إلّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إلّا بِأَنْ تَكَوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ، وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَابُهُ – رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجَمْعَيْنَ -.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ الْغُمَّةَ، وَأَنْ يُزِيْلَ الْمُلِمَّةَ، وَأَنْ يَجْمَعَ الْجَمِيْعَ عَلَى طَاعَتِهِ؛ إِنَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيْرٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْواجِهِ وَآَلِهِ أَجَمْعَيْنَ.

من الذي خان: الجيش أم الإخوان؟

فإن الإخوان المسلمين ، واتباعهم واشياعهم من الجن والإنس يشيعون القالةَ في ربوع مصر ، أنه يجب أن يُقاطَع الجيش ، وأن يقاطَع كل من يحسن الظن به ، وكل من دعا له ، أو أظهر حرصا على تماسكه ووحدته ، ويدعو الإخوان وأشياعهم في صلواتهم ، على جيش مصر بالتقسيم والانشقاق ، بل بالاضمحلال والفناء ، في الوقت الذي لا يتعرضون فيه لجيش اليهود ، ولا لجيوش غيرهم من الصليبيين والوثنيين والملحدين ، والحجة عند الإخوان وأشياعهم هي أن الجيش قد خان ، وهم تعقد البلاهةُ ألسنتَهم إذا سألْتَهُم: ولماذا لم تُخَوِّنوا الجيش عندما انحاز إلى المتظاهرين في أحداث الخامس والعشرين من يناير ، وقام بحمايتهم ؛ مع أن الجيش مان أعظم ولائًا وأكثر تقديرًا للرئيس الأسبق المتنحي حسني مبارك ، منه للرئيس السابق المخلوع محمد مرسي .
ويؤازر الإخوانَ المسلمين وأشياعَهم من التكفيريين بعضُ الحمقى ممن يدَّعون انتمائهم إلى منهج السلف ، ويتمسَّحون ببعض رموزه وعلمائه ، ليهدموا منهج السلف على منتحليه ، والقائمين بالدعوة إليه ، والمتمسكين بحبله ، ومن أولئك المؤازرين للإخوان والتكفيريين ؛ ذلك الأحيمق الجهول ، الذي يقول : نحن مع جيشنا ما كان مع شرعنا ، فلم يحدد معنى أن يكون مع الجيش ، وأن يكون ضده ، وكيف يكون ضده وكيف يكون معه ، ولم يحدد معنى أن يكون الجيشُ مع الشرع ، وأن يكون ضد الشرع ، ما معنى أن يكون الجيش مع الشرع ، أو أن يكون الجيش ضد الشرع ، هذا الكلام الذي يقول ؛ خطيرُ الدلالة ، واضح الاتجاه ، والرجل تدور في دماه الحزبيَّةُ ، وبقايا التكفير والخروج ، ولقد كان إلى أحداث الخامس والعشرين حزبيًا مع الحزبيين ، تعرف ذلك حتى العجائزُ في الدور ، إذ لا يُشاهَدُ إلا في قنوات الحزبيين ، وما عُرِف إلا من خلالها ، ولقد ظَلَّ أربع سنوات في قناة معروف مالكها ، بأنه لا يقبل معه فيها إلا من كان حذاءً في قدمه ، وكان الأحيمق الجهول دائم الظهور مع القطبيين والإخوانيين موصول الثناء لهم ، ولمالك القناة وليِّ نعمته ، وما غادرَ القناةَ إلا بخلاف حاد ، قام مدير القناة الحقيقي -وهو أخ مالكها المذكور- قام بطرده شر طِرْدَة ، وشيَّعَه بجمل من السباب المنتقى ، وربما ببضعة شلاليت .
أراد الأحيمق الجهول أن يثأر لنفسه ، فادعى السلفيةَ من بعد الحزبية ، وهو حزبي مستتر ، ولكنه أراد الانتقامَ من طارديه ومهينيه ، فكان وإياهم كالذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ، ولا على نفسه أبقى .
راح المسكينُ يدَّعي العلم ويشرح المتون بزعمه ، وما تصدى له على سبيل المثال: “بائية الصنعاني” فراح بزعمه يشرحها ، فأخطأ في قراءة المتن -وهو أربعة وثلاثون بيتًا- خمسين خطأً ، وهو مع ذلك يشرح ، يشرح ماذا؟! أيشرح خطأه؟ أم صواب الماتن؟ لك الله يا صنعاني!
والأحيمق الجهول يتكلم دائمًا في غير فنه ، لكن ما هو فنَّه؟ لقد كان في الرياض في مسجد من مساجدها صاحب حلقة صبيان ، يُقرئهم القرآن ، فغرَّت معلمَ الصبيان هذا نفسُه ؛ فسوَّلَت له أنه قد صار من “المعلمين” ، وكل “معلم” له “صِبيَة” ، فجمع صبية صار لهم “معلمًا” وراح ينفث فيهم جَهلَه ، وكان يُعديهم ويعدونه -وما زالوا- بِمُنْحَطِّ الأخلاق وسافل الخصال .
والأحيمق الجهول يدَّعي أنه من تلاميذ العلامة العثيمين ، فيُصَدِّقُه كل من يحسب الشحم فيمن شحمُه ورَمُ ، وكل من يعتقد أن كل مُدَوَّرٍ رغيف ، وكل بيضاء شحمة ، والحقيقة ؛ أنه كان معلم صبيانٍ في مسجدٍ من مساجد الرياض ، وكان العلامة ابن عثيمين يتردد على الرياض كل عام مرة أو مرتين ، ليقضي مصالح له ، فكان لا يُخلي السَّفْرَةَ -التي لا تزيد على يومين أو ثلاثة- من بعض الدروس في بعض المساجد ، فيشرح فيها ما يناسب العوام والمبتدئين ، كالأصول الثلاثة وغيرها ، شرحًا مُجملاً يناسب قِصَرَ مدة الزيارة ، ثم يمضي راشدًا .
كان صاحبُنا هذا غير حريص على شهود تلك المجالس -كما شهد بذلك رفاقُه وعارفوه- ولكنه ربما حضر بعضها ، ومن هنا حُقَّ له أن يدَّعي أنه من تلاميذ ابن عثيمين ، هكذا “خبط لزق” .
وهو في هذا يُذَكِّرُنا ببعض طلبة الحديث القًدامى ، من المدلسين ، كان أحدهم عبر بدرهم في زَوْرَقٍ إلى الضفة المقابلة من نهر عيسى مع بعض من يُحَدِّثُه ، ثم يقول عند الأداء : حدثنا فيما وراء النهر ، فيوهم بذلك رحلةً وطلباً .
شُغِل هذا الحزبيُّ بنفسه ، وشَغَل نفسه والمخدوعين فيه ، بمسألة هي : هل كان ما كان ، في سالف العصر والأوان ، من خلع رئيس الإخوان ؛ خروجًا أو لا !؟ وراح يتقيَّأُ أوجُهَاً ، وما درى المسكينُ أنه بحث هذه المسألة في وقت فتنة ، وبحثها في وقت الفتنة خروجٌ في نفسه ، ولله في خلقه شئون .
ويلحق بهذا الأحيمق آخرٌ من بابته وعلى شاكلته ، وهو طريد الشيخ مقبل – رحمه الله – ، وهذا الطريد ثقيلٌ سَمِج ، إذا جلس بجانبك مال شِقُّك الذي بجانبه من ثِقَلِه وسماجته ، يدِّعي المعرفةَ في علم الأصول ، في زمن صَدَق فيه ما قاله ابن سيرين – رحمه الله – فيما رواه ابن عبد البر في الجامع : ذهب العلم فلم يبقَ إلا غُبَّراتٌ في أوعية سوء ، وغُبَّرات جمع غُبَّر ، وهو بقيِّةُ الشيء وآخره ، وهذا الطريد يهذي بذكر مروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وأنه لم تكن هناك بيعة ، إلى آخر هذيانه ولكن ؛ لهذا الطريد ساعةٌ لم يَحِن حينُها بعدُ والله المستعان .
نعود للسؤال : من الذي خان ؟ ومن الذي يخون ؟ …

استماع

الحاكم والمحكوم والجماعة

فكل ما قلته بفضل الله تعالى وما أقوله بمنته ونعمته ، وما سأقوله إن شاء الله تعالى بحوله وقوته ؛  كل ذلك إنما هو منهج أهل السنة ، أو منهاج النبوة ، أو منهج السلف في العقيدة والعمل ؛ وقد بيَّنَتْهُ نصوص الكتاب والسنة ، وطبَّقَهُ في واقع الحياة الأئمة ، ومنهج أهل السنة في معاملة الحكام وولاة الأمور أن يُسمع لهم ويُطاع في غير معصية ؛ فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمروا به من معصية ، ويُسمع ويُطاع لهم فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تُنزَعُ يدٌ من طاعة في المعروف .
وقد صار الناس في مصر إلى رئيس أو حاكم أو ولي أمر ، والذي أعتقده ويعتقده أهل السنة هو ما دل عليه منهاج النبوة ؛ وهو أنه يجب السمع والطاعة له في المعروف ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمر به منها ، ويُسمع ويُطاع فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تنزع يد من طاعة ، ولا يحل الخروج عليه ، ولا منازعته في الأمر .
ومن الخروج عليه انتقاد سياساته ، والتشهير بطريقة إدارته ، والخوض في خصوصياته وسيرته ، وتناوله بما لا يليق ؛ في المجامع أو على رؤؤس المنابر والندوات ، أو في المحافل أو المسامرات ، ولا يُسقط ذلك مالَه من حق النصح له وإسداء النصيحة خالصة إليه ، على أن يكون النصح بطريقة السلف في نصح الحكام ؛ بأن يخلو به ، وأن يترفق في الكلام متأدبًا معه ، وأن يُبِيِّنَ له ما يريد من الحق والنصيحة بلطف ولين ، فإن لم يستطع أن يصل إليه فليوصل إليه ما شاء من النصح ، عن طريق من يصل إليه ، أو عن طريق مراسلته بينه وبينه ، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وقد أدَّى أمرؤٌ ما عليه .
ومن حق الحاكم على المحكومين أن يجتهدوا في الدعاء له بالصلاح والتوفيق والسداد ؛ لأن في صلاح الحاكم صلاحًا للبلاد والعباد ، وفي فساده هلاك الحرث والنسل وتدميغ البلاد وفساد العباد .
فهذا مجمل ما يجب علينا أهلَ السنة والجماعة للحاكم أو ولي الأمر ، وهو جزء من عقيدتنا التي وُرْثناها عن أئمة أهل السنة ، وهم ورثوها كابرًا عن كابر ؛ عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ورضي الله تعالى عنهم .
وهذا المجمل في معاملة الحكام قد فَصَّلْتُهُ في شرحي على “أصول السنة” للإمام أحمد ، وفي شرحي على “شرح السنة” للإمام البربهاري ، وعَرَّجتُ عليه في مواضعَ من “معارج القبول” و”أعلام السنة المنشورة” وكلاهما للعلامة الشيخ حافظ حَكَمِي ، وكذلك في شرح “الواسطية” ، وفي غيرها من كتب الاعتقاد على منهج السلف ، وكذلك ذَكَرْتُهُ مُفَصَّلَاً في “دعائم منهاج النبوة” فليَرْجِع إلى ذلك مَن شاء -غير مأمور- .
وهذا الذي ذكرْتُه من اعتقاد أهل السنة في معاملة الحكام ؛ هو ما أدين الله تعالى به ، ويدين اللهَ تعالى به معي إخواني من أهل السنة على منهاج النبوة ، لا يُرَغِّبُنَا فيه حبُّ حبيب ، ولا يُرَغِّبُنَا عنه بُغض بغيض ، وإنما يَحْمِلُنا عليه ويدفعنا إليه اعتقادنا ومنهجنا ، في المَنشَط والمَكْرَه ، والحبِّ والبغض على السواء .
ولم نخالف هذا المنهج -بحول الله وقوته- مع من كان يظلم ويستأثر ويجور ؛ فكيف بمن يَعِدُ بالعدل والقسط وتصحيح الأمور!؟
إن سلامة المجتمعات الإسلامية من التشرذم والاضمحلال لا تكون إلا باتباع منهاج النبوة ، والتزام منهج السلف ، وهو ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – .
… بعد تقرير عقيدة السلف فيما يجب على المحكوم للحاكم على الإجمال الذي مر تفصيله ، لا يدفع إليه حب حبيب ، ولا يصد عنه بغض بغيض ، فالمباديء ثابتة ، والقواعد راسخة ، والأشخاص تتغير ، والدول تتبدل ، وأهل السنة كالجبال الشامخة ، والأطواد الراسخة ، لا يحيدون عن الحق -بفضل ربهم وتثبيته- والله المستعان وعليه التُّكلان .
فيجب أن يُزال هنا التباسٌ عن بعض الناس في بعض الأمور:
أولًا: يجب أن نُفَرِّقَ تفريقًا حاسمًا بين السمع والطاعة في المعروف للرئيس المُنتخب ، والسمع والطاعة لجماعة الإخوان أو للحزب المنبثق عنه . فأما الرئيس المنتخب فله السمع والطاعة في المعروف كما مر ،  وأما الجماعة والحزب ؛ فليس لهما سمعٌ ولا طاعةٌ على أحد من المسلمين ؛ وإن كانت الجماعة تَفرض السمع والطاعة على من انتمى إليها منهجًا وتنظيمًا ؛ فهذا شأنُ من انتمى إليها ، ولا يعني هذا المسلمين في شيء ، وغايةَ ما تملكه الجماعة أن تكون جماعةً من المسلمين ، لا جماعة المسلمين ؛ فلا تَلزَمُ بيعتُها أحدًا ، ولا السمعُ والطاعة لها كذلك يَلزَمَان أحدًا .
…. فلا تخلط بين الأمرين واحذر أن يخدعوك ، فإنك إن بَيَّنْتَ الحقَّ ، ورَدَدْتَ الباطل ، وَزَيَّفْتَ البدعة ، وقرَّرْتَ السُّنَّة ؛ قالوا : كيف وأنتم تقولون بعدم جواز الخروج على الحكام! وهل خرجنا!؟ لا نخرج على الحاكم ولا بكلمة ، ولا نرى جواز الخروج عليه ولو بالكلمة ، لا على المنابر ، ولا في المجامع ، ولا في الصحف ، ولا في المجلات ، ولا في غير ذلك من السبل التي أحلها القومُ من بعد حُرْمَة ليصلوا بها إلى ما يريدون ، ثم عليها بعدُ ينقلبون ، وهم لا يستطيعون .
وكذلك فَعَلَ شيخ الإسلام – رحمه الله – مع الاتِّحَاديَّة الذين يقولون بوحدة الوجود ، ويقولون بالحلول ، وقد زّيَّف معتقدهم ، وبيَّنَ عُوارَهُ ونقصه ، ودلَّ على الكفر الكامن والزندقة الباطنة فيه ، مع أن بيبرس الجاشنكير كان حاكمًا زمنياً في وقته ، لا يخرج عليه بأي صورة من صور الخروج ، وبيبرس على عقيدة الاتحادية ، تبعًا لشيخه نصر المنبجي ، ومع ذلك زيَّفَ شيخُ الإسلام تلك العقيدة الباطلة ، والنِّحْلَة الفاسدة ، وردَّ على تلك الفرقة الضالة المنحرفة المتزندقة ، ولم يخرج على الحاكم المعتقِدِ معتقدَهم -أي معتقَد الحلولية . فينبغي عليك أن تُفَرِّق بين الأمرين ، والله يرعاك ، وبتثبيته وتأييده يتولاك ، وهو حسبي وحسبك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

استماع

يأكلون مع الذئب .. ويبكون مع الراعي !!

فهذا الملك ملك الروم لا يساوي عندي فلسين، ولو عُرض هذا الملك كله عليَّ بِشِسْعِ نعلي ما قَبِلت؛ فضلًا عن الحرص عليه أو التطلع إليه، لقد غسلت من الدنيا يدي وكبرت عليها أربعًا، وإذا كنت بِحَوْلِ الله وقوته لا أبيع آخرتي بالدنيا وما فيها؛ أفأبيع آخرتي بدنيا غيري!؟ مالكم كيف تحكمون وأين تذهبون!؟

لسنا هنا في مؤتمر انتخابي، ولا في مجمع حزبي، لسنا هنا لنمارس دعاية انتخابية ولا لنعرض لأمور حزبية، نحن هنا في مجلس علم وذِكْر ، وعبادة وشكر، وتَلَمُّسٍ لمواطن الصواب والسداد، وسعيٍ لتحصيل أسباب الهداية والرشاد.

والحقيقة الخالدة التي عمي عنها كثير من الخلق وتعامى عنها آخرون؛ -فتراهم ينظرون إليك ولكن لا يبصرون- هي أن الشريعة ليست نصوصًا ميتة، ولا رقومًا في قراطيس هامدة، فيكون تطبيقها باستبدال نصوص بنصوص، وحكم بحكم؛ بل الشريعة حياة زاخرة، وروح طاهرة عاملة، في القلوب والأرواح فاعلة، تقوم على عقيدة ثابتة راسخة، في قلوب موقنة مؤمنة بأن هذه النصوص الحيَّة هي أمر ذي الجلال ونهيه، وهي إرشاده وتوجيهه ووحيه، فإذا اجتمعت القلوب على توحيد ربها، وأُشْرِبَت حبه وتعظيمه والمذلة له واتباع وحيه؛ استقامت على أمره ونهيه، وسلَّمَت لشرعه كما آمنت لقدره.

“وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” ،  “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” ، ” أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” .
وإياك أن تظن أن تقوى الله هي الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات فقط؛ إن تقوى الله تدخل في كل شيء؛ فاتق الله في عبادة مولاك ولا تفرط فيها، واتق الله في إخوانك ولا تؤذي منهم أحدًا، واتق الله في نفسك لا تهمل في صحتها، ولا تتخلق بِسِوَى الأخلاق الفاضلة، واتق الله في وطنك لا تَجُرَّهُ إلى الفوضى، ولا تُهَيِّج الأحقاد بين أهله، ولا تُثِر الفتن بين أبناءه، اتق الله في وطنك لا تسلط عليه عدوًا ولا تَخُنْه .
……….ووقعة الخامس والعشرين من يناير (25 يناير) كأنما مُحِيَتْ ذواكرُهم ، وغُيَّبَتْ عقولهم ، وفُتِحَتْ على أخلاقهم ماسورةً من مواسير الصرف غير الصحي، فإلى الله المشتكى وحده.
خامسًا: جماعة الإخوان المسلمين بشهادة بعض أقطابها ممن أُقيل أو استقال؛ قد حادت وانحرفت كثيرًا أو قليلًا عن منهج مؤسسها؛ خاصة فيما يتعلق بالتربية وهذا ذائع شائع لا يُنكر، يعرفه من آتاه الله رب العالمين ذروًا من العقل وقدرًا من السمع ، فهو يعلم أن كثيرًا من القادة والمنظِّرين من الأثبات عند القوم، يقولون في ثورة ظاهرة وينشرون ذلك في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمنظورة، يُصَرِّحون أن الجماعة انحرفت قليلًا أو كثيرًا عن فكر الأستاذ البنا، هم الذين يقولون وهو الذين يعلنون .

استماع

دعاة على أبواب جهنم

فإلى الأخ الحبيب الذي أرسل إلي بعض رسائل للداعية الذي أخَذْنَا عليه بعض السقطات ؛ أقول له:
شكر الله لك حسن ظنك بأخيك ؛ إذ ظننتَ أنَّ أخاك رجّاعًا إلى الحق ، وقّافًا عند الصدق ، باحثًا عن الخير ، فأردتَّ أكرمك الله تبصيره من العمى ، وهدايته من الغواية، ودلالته على الحق والخير. وأشكر لك سعيك في كشف ما أردتَّ كشفَه من أمور ظننتَهَا غائبة عني غائمة تحت بصري ؛ فأردتَّ أكرمك الله -وإن آثرتَ أن تكون مجهولًا لا تُعرف خفيًا لا تُرى- ؛ فأردتَّ أن أهتدي بما صنعت ؛ فبارك الله فيك ولك وعليك.
وأقول لك أيضًا غفر الله لك إذ صرفْتَنَا عمَّا أردنا أن نأخذ فيه وبه رعايةً لحق المناسبة التي أظَلَّتْ بأيام تحتاج تبصيرًا وتوجيهًا وإرشادًا، وإظهارًا لأمور ربما كانت خافية على كثير من المسلمين، عفا الله عنك وغفر لي ولك ؛ إذ رَدَدْتَنِي لِمَا كنت عَزَمْتُ على أن أبتعد عنه قليلًا ، فآثرتُ الخير وأردتُّ شيئًا أراد الله ربُّ العالمين غيرَه ، وأسأل الله جلَّت قدرته وتقدست أسمائه أن يخلص نياتنا، وأن يحسن أعمالنا، وأن يصلح بواطننا وظواهرنا، وأن يقيمنا على الحق على الجادة حتى نلقى وجه ربنا الكريم.
وقبل أن ألفت نظرك أيها الحبيب إلى بعض ما أردتَّ أن تلفت نظري إليه ؛ أسوق إليك أمرًا بيَّنَهُ لنا نبيُّنا – صلى الله عليه وآله وسلم – كما في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت صاحب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وهو من المستضعفين، وقد عُذِب في الله تبارك وتعالى عذابًا شديدًا ، واضطهد اضطهادًا كبيرًا ، ووقع عليه من الأذى الكثير ، ويحكي -رضوان الله عليه- كما في الصحيح:
جئنا إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو متوسد بُردةً في ظل الكعبة فشكونا إليه، جاء المستضعَفون المُعذَّبون ومنهم خباب رضوان الله عليه ؛ وكان يُجْعَلُ الجمرُ المحمَّي في النار في ظهره فما يُطفئه إلا الودْكُ -أي الدهن الذي يسيل من ظهره- ، والجو مفعم برائحة اللحم المشوي، لا يستثير ذلك في مُعَذِّبِيْهِ رحمةً، ولا يستجلب في مضطهديه رأفة ، فجاءوا – أي جاء المستضعفون – يشكون إلى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد توسد بُردةً في ظل الكعبة، فقالوا يارسول الله! ألا تستنصر لنا! ألا تدعو الله لنا! -لأنهم يعلمون أنه مستجاب الدعوة، وأنه إذا طلب من الله رب العالمين أن يرفع الكرب وأن يزيل الغم وأن يكشف الهم ؛ استجاب له دعاءه وهو الحَيِيُّ الكريم- ، وجاءوا إلى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – فاعتدل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فقعد فقال : – صلى الله عليه وآله وسلم – إنَّ من كان قبلكم كان يؤخذ الرجل منهم فَيُؤْشَر بالمنشار من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه حتى يصير بثنتين ؛ لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه وعصبه فما يصرفه ذلك عن دينه ، والذي نفسي بيده ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله أو الذئب على غنمه ؛ ولكنكم قوم تستعجلون .
في وسط هذا الكرب الكارب ، وهذا الهم الخطير؛ لم يدعُ لهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – برفع المحنة جملة وقتما أرادوا وحسبما أشاءوا؛ وإنما بيَّن لهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أن سنَّة الله في خلقه أن يُبتلي بعضُهم ببعض، وأن يَبْلُوَ الناس بالخير والشر فتنةً، وأن يُمَحِّصَ اللهُ رب العالمين الناسَ ؛ لِيعْلَمَ الصادق من الكاذب والثابت من المضطرب والقائم من المُرْتَكِس في الفتنة، ولا عليهم من النتائج فلتأتي كما يريد الله .
يقول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ، -وهو راجع بهم إلى ما كان قبلهم من أحوال الأمم السالفات-، كان الرجل يؤخد فيُقام يؤتى بالمنشار ينشر من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه حتى يصير بثنتين بشقين بنصفين ؛ لا يصرفه ذلك عن دينه ، فلا بارقة المنشار تلمع في وَقْدَةِ الضحى -إذ يقوم القوم بنشره- يُفزِعُه ، ولا مسُّ المنشار إذ يعمل رفيقًا رفيقًا ثم حادًا حادًا ثم عنيفًا عنيفًا حتى يذهب الإحساس جملةً لا شيء من ذلك له بصارفٍ عن ما هو آخد به وقائم عليه من أمر الإيمان واليقين، والله ربُّ العالمين فعَّال لما يريد يقضي بما يشاء ويحكم بما يشاء وهو على كل شيء قدير .
….. نعود إلى أخينا الحبيب – عفا الله عنه – فقد أخرَجَنَا من أمر إلى أمر آخر ؛ وأقول لك أخي هوِّن عليك فلا عليك لو كفَرَ العالَمُ كله بالله رب العالمين فلن يضر الله شيئًا ، ولا عليك فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قد أخبرنا أنه طَلَبَ من ربه ثلاثة أمور فأعطاه اثنين وحجب عنه أمر ؛ طلب من ربه ألا يسلط على الأمة من خارجها من يستبيح بيْضَتَها ويستأصل شأْفَتَهَا؛ فقال أعطانيها، حتى لو تَجَمَّعَ عليهم مَنْ بِأقطارها فلا تُراعوا عباد الله ولا تخشوا ولا تخافوا، ولكن التزموا الجادة، وأدوا أداءً حسنًا باعتقاد صحيح؛ ولا عليكم من النتائج فالأمر مضمون مضمون ضَمِنَهُ لنا ربُّنا على لسان المأمون  – صلى الله عليه وآله وسلم -.
ولا تراعوا عباد الله ولا تخشوا ولا تفزعوا ولا تخافوا . فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سأل ربه ألا يهلك الأمة بِسَنَةٍ -أي بمجاعة وقحط- عامة؛ فقال أعطانيها. وإذًا فلا تراعوا عباد الله فإن الله رب العالمين حمى أمَّةَ محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – من استئصالٍ بِقُوَىً خارجية كائنًا ما كان أمْرُها، وبالغةً ما بَلَغَتْ قوتها، وعظيمة ما عظمت إرادتها ، ولكن بشرط أن تكونوا منسوبين للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – .

إقامة الحُجَّة ورجاء الهداية

ففي حديث جابر الطويل ، الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، في صفة حج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – خَطَبَ خُطبة عظيمة جامعة في حَجة الوداع ، في محفل عظيم جامع من المسلمين الذين آمنوا بالله رب العالمين ، وبمحمد الأمين – صلى الله عليه وآله وسلم – .
وقال فيها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “قد تركتُ فيكم ما لم تضلوا بعده إذا اعتصمتم به؛ كتابَ الله” وفي رواية “كتابُ الله” ، فَنَصَبَ على البَدلِيَّةِ ورَفَعَ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ، وأنتم تُسألون عني ، فأخبر الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – أن الأمةَ تُسأل عنه يوم القيامة ، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم – “فما أنتم قائلون؟” يعني إذا سُئلتم عني فماذا أنتم قائلون؟ عندما يسألكم الله تبارك وتعالى عن البلاغ ، عما أديته إليكم من الرسالة والأمانة التي حمَّلَني الله -تبارك وتعالى- إياها ، فقالوا : “نشهد أنك قد بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصحت” فقال بإصبعه السبابة يَنْكُتُهَا إلى السماء ، أو يَنْكُبُهَا – في رواية – إلى السماء ، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ، يشير النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بِأُصْبُعِهِ بِإِصْبَعِهِ السبابة إلى السماء ثم يَنْكُتُهَا إلى الناس ، يَنكُبُهَا يعني يَقلِبُهَا إلى الناس يقول :”اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات .
الله تبارك وتعالى جَعَلَ للدعوة وظيفة ، ووظيفة الدعوة – وهي وظيفة الداعية – تنحصر في أمرين اثنين ، بَيَّنَ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في هذا الحديث العظيم في حَجَّة الوداع أحدَهُمَا ، وهو إقامة الحُجَّة على الخلق ، بتبليغ دين الله – تبارك وتعالى – على النحو الذي أدَّاه الله – تبارك وتعالى – عن طريق أمين الوحي جبريل .
فهذا هو الهدف الرئيسُ الأول من هدَفَي الدعوة ومن هدفَي الداعي إلى الله – تبارك وتعالى – أن يٌيم الحجة على الناس في الأرض كما أمر اللهُ – تبارك وتعالى – بذلك ، وعلى النحو الذي يريده الله ويحبه ، في حديث جابر الذي مَرَّ بيانٌ لأعظم هدف يمكن أن يؤدِّيَهُ داعيةٌ إلى الله -تبارك وتعالى- وهو تبليغ دين الله -تبارك وتعالى- وإرشاد الخلق إليه ، وتأدية الدين بلا زيادة ولا نقصان ، فليس على الداعية إلا إقامة الحجة حتى يخرج من عُهْدَة التكليف ، فإن الداعية متى جَهِلَ هذا الأصل العظيم ، وهو أن الهدف إنما هو تأدية الرسالة ، وإنما هو إقامة الحجة على الخلق في الأرض ، لكي تنقطع الحُجَّةُ – حُجَّةُ الناس – يوم القيامة إذا أقام الله -تبارك وتعالى- عليهم الحُجَّةُ والبيِّنات ، إذا ما جَهِلَ الداعيةُ هذا الأمرَ العظيم ؛ ساء فهمُه ، وضاق عَطَنُه ، وانحرف فِكره ، ورجع خاسرًا حتى يَشْتَطَّ إلى أساليبَ مخالفةٍ لمنهج الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وحينئذ يُوقِعُ الضرر بنفسه وبالآخرين ؛ بسبب جهله بهذه الحقيقة العظيمة ، الهدف الأول من هدَفَي الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- من هدفي الداعية الرئيسَيْنِ .
الهدف الأول هو: “إقامة الحجة على الأرض” بتأدية الأمانة وتبليغ الرسالة ، كما جاء بها الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ،
وأما الهدف الثاني فهو: “رجاء هداية المدعو” ، وأسوتنا في هذا الهدف الجليل هو نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – كان حريصًا على هداية الناس إلى الطريق القويم والصراط المستقيم – صلى الله عليه وآله وسلم – .
استماع

بين يدي عشر ذي الحجة

فإن الله تعالى جعل في أيام دهره نفحات ، وجعل في الأزمان مواسم للفضل والخيرات ، كما جعل في بعض الأماكن مزيد فضل وأجر ، تكرما منه تعالى على عباده وإحسانات ، ليتدارك المقصر في زمن طويل ما فاته في زمن قصير ، وليتسابق المتنافسون إلى مواسم مضاعفة الثواب ، كما تنافسوا في الصالحات في عموم الزمان.

وقد فضل الله تعالى المسجد الحرام على المسجد النبوي وعلى المسجد الأقصى ؛ فجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في المساجد العادية ، وجعل الصلاة في مسجد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بألف صلاة ، وجعل الله تبارك وتعالى ليلة القدر خيرًا من ألف شهر ، وفضل شهر رمضان ويوم الجمعة ، وفضل الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة ، وجعلها أفضل أيام الدنيا.

روى البزار بإسناد صحيح لغيره بسنده عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ” أفضل أيام الدنيا أيام العشر – يعني عشر دي الحجة – قيل ولا مثلهن في سبيل الله؟! قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عُفِّر َ وجهه بالتراب “.
وروى أبو يعلى عن جابر – رضي الله عنه – بإسناد صحيح لغيره عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال ” ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة، قال وقال رجل يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال فقال: هن أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله إلا عفير يُعَفَّر وجهه في التراب. – يعني خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء وذهب إلى ربه حميدًا شهيدًا – .
وقد أخبر – صلى الله عليه وآله وسلم – أن العمل الصالح في العشر أحب إلى الله عز وجل منه في غيره ، بالغًا ما بلغ العمل .
أيام العشر أفضل أيام الدنيا تجتمع فيها أُمّهات العبادات ، ويقع فيها معظم أعمال الحج، وفي يوم التروية يُهِّلُ الحاج بالحج ، ثم يذهب إلى منى فيصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها ثم يصلي الصبح، ثم يدفع إلى عرفة ، فيقف بعرفة إلى غروب الشمس ، ثم يدفع إلى المزدلفة – وهي المشعر الحرام – فيبيت ليلته ثم يصلي الصبح ويتوجه إلى القبلة، ويدعو طويلًا حتى يسفر جدا ، ثم يدفع إلى منى ؛ لكي يرمي جمرة العقبة الكبرى وذلك في يوم العيد، وفي يوم العيد معظم أعمال الحج ؛ فإنه يرمي جمرة العقبة الكبرى ، يحلق أو يقصر ، يذبح ، يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ، ثم في الثلاثة الأيام التالية هي أيام التشريق؛ يقوم برمي الجمار على النحو المعروف.
إذًا في العشر معظم أعمال الحج ، وتجتمع في العشر أُمّهات العبادات ، يقع فيها معظم أعمال الحج ؛ فيه يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ؛ ويوم النحر أفضل أيام السنة .
……. فإذا ضحى الرجل بالواحدة من الغنم الضأن أو المعز عنه وعن أهل بيته أجزأ عن كل من نواه من أهل بيته من حي وميت، فإن لم ينوِ شيئًا يعم أو يخص دخل في أهل بيته كل من يشمله هذا اللفظ  عرفًا أو لغة ؛ وهو في العرف من يعولهم من الزوجات والأولاد والأقارب ، وفي اللغة كل قريب له من ذريته وذرية أبيه وذرية جده وذرية جد أبيه.

ويجزيءُ سُبُع البعير أو سُبُع البقرة عما تجزيء عنه الواحدة من الغنم؛  فلو ضحى الرجل بسُبُع بعير أو سُبُع بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأه ذلك ، لأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – جعل سُبُع البدنة أو البقرة قائمًا مقام الشاة في الهدي، فكذلك يكون في الأضحية لعدم الفرق بينها وبين الهدي في هذا .
ولا تجزيء الواحدة من الغنم عن شخصين فأكثر يشتريانها فيضحيان بها لعدم ورود ذلك في الكتاب والسنة .
كما لا يجزيء أن يشترك ثمانية أو أكثر في بعير أو بقرة لأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها تعدي المحدود كمية وكيفية وهذا في غير الاشتراك في الثواب، فقد ورد التشريك فيه بدون حصر ولا حرج على فضله جل وعلا.
ففرق بين الاشتراك في الثواب ، فأما الاشتراك في الثواب فلا حرج فيه على فضل الله ، وأما الاشتراك في الثمن فلا يجوز أن يشترك أكثر من سبعة بدنة أو بعير أو بقرة، لأنه بهذا ورد في النصوص .

…… على المرء أن يجتهد في استغلال هذه الأوقات الطيبة وألا يضيعها ، وأن يتقي الله تبارك وتعالى في المسلمين وألا يضيع عليهم أوقاتهم كما يفعل الحزبيون والطائشون من أهل الأهواء والبدع؛ فإنهم تمرسوا على أن يحيلوا أعياد المسلمين إلى أحزان واقعة ، كأنهم ينقمون على المسلمين أن يفرحوا، لا يحبون أن يفرح مسلم بنعمة الله عليه.

وهذه الأيام الطيبة جعلها الله رب العالمين موسم للعبادة، وجعل الله رب العالمين أعياد المسلمين -أعيادهم المشروعة- جعلها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كما بَيَّن؛  في أيام التشريق أيامَ أكل وشرب وذكر لله عز وجل ، وكذلك قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق ، عيدنا أهلَ الإسلام” وفي رواية :”يوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام” .
معلوم أن من أعظم العبادات أن تُدخل السرور على أخيك المسلم ، لا أن تنزع منه السرور الذي يُسَرُّه بنعمة الله عليه “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا” فعلى الإنسان أن يجتهد في إدخال السرور على المسلمين.

استماع

الإضرابات والاعتصامات في مصر

فهذه صفحة من صفحات تاريخ أمتنا، وهي في أجلِّ زمنٍ وأعظمه ، مرَّ بهذه الأمة ومرَّت الأمةُ به ، في عهد عمر – رضي الله عنه – على إثْرِ ما كان من الخلافة الراشدة للصديق – رضي الله عنه – ، على منهاج نبوة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فقد كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ، ينعمون بأنباء النصر ، الذي حالف جند الإسلام في العراق والشام ، وينعمون بأخماس الفيء تَرِدُ إلى الخليفة ، يُقَسِّمُها بينهم أعطيات أعطيات ، تزيدهم رخاءً ، وتنقلهم من شَظَفِ البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لِيْنَاً وطراوةً ، زادتهم هذه الأعطياتُ قدرةً على أن يبتاعوا من تجارة اليمن ، ومن تجارة الشام ما يشاؤون ، وأن يقتنوا من خيراتِ مصر ، تجييءُ إليهم محمولة على السفن ، ما يجدون في اقتنائه متاعًا لم يكن لهم من قبلُ بمثله عهد .
وإنهم لكذلك ناعمون إذ فَجَاَهُم أمران كبيران؛ فقد أصيبوا في أخريات السنة السابعة عشر وطيلة السنة التي تَلَتْهَا بِهَوْلَيْنِ عَظيمَيْن ، أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة ، وأصاب الآخر إخوانهم المجاهدين في الميادين ، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال ، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع ، والحرث والنسل ، وأصابَ الناسَ منها أشد الجهد والبلاء .
وأما الهول الثاني فطاعون عَمَوَاس ، الذي امتد من الشام إلى العراق ، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساءً ، جندًا ومدنيين ، حتى ارتاع له عمرُ وارتاع له الناس جميعًا أيما ارتياع ، وأصيب المسلمون في مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بل في شبه الجزيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، بمجاعة وقحط ، كان من آثاره ما يأتي بعدُ .
وأصيب المسلمون في ميادين القتال وما حولها من الأرض المفتوحة في الشام والعراق بالطاعون ، الذي فَتَكَ بهم فتكاً ذريعًا ، واستشرى فيهم كالنار في الهشيم ، وسبب المجاعة أن أمسك الله المطر عن شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة ، وأن تحرَّكَتْ الطبقات البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل ما عليه من نبات ، فصارت الأرض سوداء مُجْدِبَةً ، كثيرة التراب ، فإذا رِيْحَتْ سَفَتْ رمادًا ، إذا جاءتها الريحُ سفَت الرماد ، حتى سُمِّيَ العام بعام الرَّمَادَة ، تخَدَّدَتْ فيه الأرض أخاديد أخاديد ، وصار الناسُ فيه إلى جوع شديد ، وكل ذلك في مدينة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها من أرض الجزيرة كلها ، وكل ذلك في عهد الفاروق عمر – رضي الله عنه – ، ومعه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مَنْ معه .
ونشأ عن إمساك المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوعٌ أهلكَ الناس والأنعام ، وقد فَنِيَ الكثير من قطعان الغنم والماشية ، وجفَّ ما بقيَ منها ، حتى كان الرجل يذبح الشاة يعافها لقبحها برغم جوعه وبلواه ، ولكن لا يجد من نفسه على مثل هذا الشيء إقبالًا ، ومن ثَمَّ أقْفَرَت الأسواق فلمْ يبقَ فيها ما يُباع ويُشترى ، وأصبحت الأموال في أيدي أصحابها لا قيمة لها ، إذ لا يجدون لقائها ما يسد رَمَقَهُم ، ولا ما يقيم أوْدَهُم ، وطال الجَهْدُ واشتد البلاء ؛ فكان الناس في عهد عمر – رضي الله عنه – وفي مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها ؛ كان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ، يُخرِجون ما فيها من تلك الحيوانات .
كان أهل المدينة – مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أحسن من غيرهم حالًا أولَ العهد بالمجاعة ، فالمدينة حَضَر ، ادَّخَر أهلُها حين الرخاء ما اعتاد أهلُ الحَضَر ادِّخاره ؛ فلما بدأ الجدبُ جعلوا يُخرجون ما ادَّخَروا يعيشون منه ، أما أهل البادية فلم يكن لهم مُدَّخَرٌ فاشتد بهم الكرب من أول الأمر ، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ، ويلتمسون لدى أهلها فتاتًا يقيمهم ، وازداد هؤلاء اللاجئون عددًا فضاقت بهم مدينة الرسول ، واشتد بأهلها البلاء ، وصاروا في مثل حال أهل البادية جدْبًا ومَسْغَبَةً وجوعًا .
ماذا يصنع عُمَرُ بنفسه ؟! وماذا يصنع بهؤلاء الجياع !؟ ….

استماع

ماذا لو حكم الإخوان مصر؟

الْيَوْمَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَعَطَائِهِ وَنِعْمَتِهِ- عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلَّمُ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذُوا فُرْصَتَهُمْ كَامِلَةً، حَتَّى صَارُوا عَلَى أَعْتَابِ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَحْلُمْ بِهِ يَوْمًا أَشَدُّهُمْ تَعَصُّبًا، وَأَكْثَرُهُمْ غُلُوًّا.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ صَارُوا -بِزَعْمِهِمْ- قَادِرِينَ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَإِنْزَالِ الْمَوْتِ الزُّؤَامِ، وَاسْتِيفَاءِ مَا يَظُنُّونَهُ حُقُوقًا أَجَّلَ اسْتِيفَاءَهَا احْتِدَامُ الصِّدَامِ مَعَ النِّظَامِ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَكَمْ سَكَتُّ عَنْهُمْ فِي أَحْوَالٍ مِنْ ضَعْفِهِمْ، وَحَيْصَتِهِمْ، وَارْتِبَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الْإِجْهَازَ عَلَى الْجَرْحَى، وَاتِّبَاعَ الْفَارِّينَ، وَالتَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ!!

وَمَا زِلْتُ أَطْمَعُ أَنْ يُعِينَنِي ذُو الْجَلَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ التَّمَسُّكِ بِأَهْدَابِ أَذْيَالِ أَخْلَاقِ عَصْرِ الْفُرُوسِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مَا يُعَانُونَ لِكَيْ يُحَقِّقُوا التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ عَصْرِ الْحُمُورِيَّةِ!!

وَكَمْ هُوَ عَسِيرٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ، بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ وَمَا هُوَ مَوْضُوعِيٌّ!!

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَتَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ حُكْمِ مِصْرَ؛ لِأُجِيبَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- عَنْ سُؤَالٍ مِنْ حَقِّ الْمَحْكُومِينَ عَلَى الْحَاكِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا إِجَابَتَهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ أُمُورُ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ جَمِيعًا، وَهِيَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْوُضُوحِ؛ إِذِ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، وَالْجَهْلُ قَتَّالٌ لِأَقْوَامٍ!

وَالْإِخْوَانُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الَّتِي آمَنُوا بِهَا، وَرَوَّجُوا لَهَا، وَبَلَغُوا بِهَا مَبَالِغَهُمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تُشْرَعُ سِهَامُهَا إِلَى نُحُورِهِمْ، وَتُصَوَّبُ خَنَاجِرُهَا إِلَى صُدُورِهِمْ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ شُوِّهَتْ فِيهِ مَعَالِمُ الشَّرِيعَةِ، وَحُرِّكَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا ثَوَابِتُهَا؛ بِحُجَّةِ تَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَكْثِيرِ الْمَصَالِحِ، وَمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدِّينِ السَّفَاهَةُ وَالْجُنُونُ؛ حَتَّى صَارُوا كَمَنْ سُئِلَ: كَمْ لِلْأَرْنَبِ مِنْ رِجْلٍ؟!! فَأَجَابَ: لِلْعُصْفُورِ جَنَاحَانِ!!

كَذَلِكَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا تَكَادُ تَشُكُّ فِي جُنُونِهِ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُتَكَلِّمًا، بَلْ هُاذِيًا، وَقَدْ جَحَظَتْ عَيْنَاهُ، وَانْقَلَبَتْ حَمَالِيقُهُ، وَسَبَقَ لِسَانُهُ عَقْلَهُ -إِنْ كَانَ لَهُ-، فَتَوَرَّطَ فِي سَبِّ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رُوجِعَ، اتَّهَمَ مَنْ سَمَّاهُمْ بِالْمَدَاخِلَةِ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُسْتَهْدَفٌ بِمُؤَامَرَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَاكَتْ أَطْرَافَهَا شَيَاطِينُ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٌ مِنْ كُلِّ جِنِّيٍّ مَارِدٍ وَجِنِّيَّةٍ.

وَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ، وَيُقِرَّ وَيُذْعِنَ، وَيَتَطَامَنَ وَيَخْشَعَ، وَيَفِيءَ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعُودَ إِلَى الرَّشَادِ، رَاحَ يُوَزِّعُ اتِّهَامَاتِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَنَاةِ الَّتِي يُسَبُّ فِيهَا بَوَاكِي!!

وَشَيْخُهَا يَعْتَذِرُ عَلَى الْهَوَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَعْتَذِرُ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمُعْتَذِرٍ.

وَآخَرُ يَأْمُرُ الْأَبْنَاءَ بِسَرِقَةِ الْآبَاءِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ عُقُوقِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَتَعْوِيدِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَدِّ أَيْدِيهِمْ إِلَى حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تُقْصَرَ، وَعَلَى اسْتِطَالَتِهَا حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُكَفَّ، وَالرَّجُلُ -مَعَ ذَلِكَ- صَاحِبُ ادِّعَاءَاتٍ عَرِيضَةٍ، وَتَهْوِيلَاتٍ سَخِيفَةٍ، وَلَكِنْ سَامِعُوهُ مِمَّنْ صَدَّقُوهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ!! بَلْ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ!!

وَثَالِثٌ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدَّعِي مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَيِّدْ مُرَشَّحَهُ الْمُفَضَّلَ، سَيَلْدَغُهُ الثُّعْبَانُ فِي الْقَبْرِ بِضْعَ سِنِينَ!!

وَلَيْسَ هَذَا سِوَى نَمُوذَجٍ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَسَخَافَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ يُبَعْثِرُهَا عَلَى أَسْمَاعِ الْمُغَيَّبِينَ فِي رُبُوعِ مِصْرَ الْمُبْتَلَاةِ بِهِمْ.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنِ ابْتَلَى اللهُ مِصْرَ بِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ.

أَتَطْمَعُ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُ سُعْدَى             وَتَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَكَ قَدْ عَصَاكَ؟!!

فَإِذَا كَانَ قَلْبُكَ يَعْصِيكَ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَيْكَ وَلَا يُطِيعُكَ، أَفَتَطْمَعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُهَا؟!!

مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ!

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ عَدْلِ عُمَرَ وَإِنْصَافِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَدْلِ مَا يُقِيمُونَ بِهِ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ مَعَ مُؤَالِفِيهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِمُخَالِفِيهِمْ؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَنْ تُطَبَّقَ إِلَّا بِجِيلٍ طَبَّقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَصَبَغَ بِهَا حَيَاتَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَضَحَتْ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ بِأَخْلَاقِ الْمَسْجِدِ، لَا كَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ بِأَخْلَاقِ السُّوقِ!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ، فَأَيْنَ هِيَ الْعَقِيدَةُ فِي دَعْوَتِكُمْ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَدْعَمُونَهَا، وَتُرَوِّجُونَ لَهَا، وَتُقَاتِلُونَ دُونَهَا، وَتُكَفِّرُونَ أَوْ تُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهَا؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، لِمَاذَا تُطِيلُونَ عَلى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ، وَتُصَعِّبُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ السَّهْلَ، وَتُبْعِدُونَ عَنِ الْمُحْسِنِينَ الْقَرِيبَ؟!!

إِنَّ الْجِيلَ الْمِثَالِيَّ الْأَوَّلَ أَقَامَ الشَّرِيعَةَ لَمَّا قَامَ بِهَا، وَأَرْسَى الدِّيَانَةَ لَمَّا تَدَيَّنَ بِهَا، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ لَمَّا عَمِلَ بِالْإِسْلَامِ وَعَاشَ الْإِسْلَامَ، وَثَبَّتَ دَعَائِمَ الْحَقِّ لَمَّا تَحَقَّقَ بِهِ، وَسَمَّعَ الدُّنْيَا فَسَمِعَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا لَمَّا تَخَلَّقَ بِهَا وَحَقَّقَهَا.

الْيَوْمَ مِنْ حَقِّ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَمِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، أَنْ نُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ:
مَاذَا لَوْ حَكَمَ الْإِخْوَانُ مِصْرَ -أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ-؟!!

استماع

كفانا غفلة

ففي “تلبيس إبليس” ذَكَرَ ابنُ الجوزي – غفر الله له – أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، وهو يدخل منه على الجهال بأمان ؛ فأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارَقَة، وقد لَبَّسَ إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم ، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يُحْكِم العلم، فأول تلبيسه عليهم: إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم : العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلوب ، وأن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح، العمل إنما هو للقلب وللجوارح على السواء؛ فلا تسيئن فهم كلامه – غفر الله له – .
قال مُطَرِّفُ بن عبد الله : “فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة”.
وقال يوسف بن أسباط: “باب من العلم تَتَعَلَّمُهُ، أفضل من سبعين غزاة”
وقال المُعَافى بن عمران: “كتابة حديث واحد أحب إليَّ من صلاة ليلة”
وقال ابن الجوزي: “فلما مر عليهم في هذا التلبيس” وآثروا التعبد بالجوارح على العلم؛ تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد.
وذكر بعضاً من تلبيسه على الحُجَّاجِ فقال: “قد يُسقِطُ الإنسانُ الفرضَ في الحج مرة، ثم يعودُ لا عن رضاء الوالدين؛ وهذا خطأ ، وربما خرج وعليه ديون أو مظالم، وربما خرج للنزهة، وربما حج بمال فيه شبهة، ومنهم من يحب أن يُتَلَقَّى إذا عاد، ويحب أن يُقال له “الحاج”، وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة، ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دَنِسَةٍ وبواطن غير نقية.

وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم، وإنما المراد من الحج القربُ بالقلوب لا بالأبدان فقط، وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى ، وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجَّاته، فيقول: “لي عشرون وقفة”. وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه، وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليها، وربما قال: إن لي اليوم عشرين سنة مجاوراً، قال: وكم رأيتُ في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقائه على الماء ويضايقهم في الطريق، وقد لبَّسَ إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة، فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا، ويظنون أن الحج يدفع عنهم، وقد لبَّسَ إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها.. ”
فمعلوم أن المعاصي والذنوب تُعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي ، وتضعف قوته، وعزيمته، فلا يصبر عليها ، بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيرُه، فيدرك الباطل حقا والحق باطلاً، والمعروف منكرا والمنكر معروفًا ، فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت لها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنب إلا هذه العقوبة لكانت داعية لتركها والبعد عنها والله المستعان .
فاحذر الذنوب فإنها تُعمي عين البصيرة ، وتميتُ القلب ، فإن لم تُمِتْهُ أضْعَفَتْهُ ، وفي ذلك كله هلاك الأبد ، فاتق الله ربك، وأمسك عليك لسانك ، واحمِ سمعك وبصرك، واحفظ قوى قلبك متوفرة على توحيد ربك، وعليك بالخلوص من الشرك ظاهرًا وباطنًا ، اعتقادًا وقولًا وعملًا ، والزم جادة التوحيد ، وخذ بأصول المتابعة، حتى تكون على منهج النبي الرشيد ، بالقول السديد، والعمل الموفَّق المجيد، وذلك كله بأن تكون على منهاج النبوة؛ ولن تكون حتى تُنَظِّفَ طريق الحق من قاذوراته، وقاذورات كل من سَلَكَ بغير حق يبغي إفساده وفساده على السالكين.

فلا يمكن أن تُعَدَّ سالكًا طريق الحق حتى تتوفر على تنظيف الطريق من كل ما يعلق به من شوائب من ليس من أهله، فإن هؤلاء من المدسوسين على أهل السنة إنما يريدون ان يحرفوهم على الصراط المستقيم، هؤلاء إنما هم من أتباع الشياطين ، وحالهم كما هو معلوم مكشوفٌ ظاهر معروف، وعلى كل من أراد الحق أن يلتمس الدليل وعليه ألا يتبع الهوى حتى لا يضله عن الصراط المستقيم وعن سواء السبيل .
احذر الذنب ؛ واعلم أن القلب كلما أذنب العبدُ ذنبًا نُكتت فيه نكتة سوداء ، فما يزال ذلك كذلك حتى يصير أسودَ مُرْبادَّاً كالكوز مُجَخِّيَاً لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هواه ، وهؤلاء الذين صاروا إلى هذا الحد لا خير فيهم ، إلا أن يتداركهم الله – تبارك وتعالى – برحمته .
وعلى المسلم الشحيح بدينه الحريص على آخرته أن يتوكل على الله ربه، وأن يجتهد في عمل الطاعات ، والبعد عن السيئات، وأن يُخلِص قلبه لله، وأن يكون على منهاج النبوة منهاج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، حتى يكون على الصراط المستقيم ، والهدى القويم ، بحمد الله تبارك وتعالى الكريم ، ومعونته وهو الرحمن الرحيم العليم ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

استماع