حكم الإخوان .. دروس وعبر

فَإِنَّ أَخَطَرَ مَا يُصِيبُ أُمَّةً بَعْدَ تَحَوُّلٍ مُجْتَمَعِيٍ هَائِلٍ، وَتَغْيِيْرٍ سِياسِيٍ شَامِلٍ؛ أَنَ تُكِبَّ عَلَى التَّشَفِّي وَالشَّمَاتَةِ وَالْاِنْتِقامِ. إِنَّ رُوْحَ الْاِنْتِقامِ وَالشَّمَاتَةِ رُوْحٌ نَجِسَةٌ، لَا تَسْكُنُ إلّا الْخَرَائِبَ، وَلَا تَنْعَبُ إلّا عَلَى الْأَطْلاَلِ. وَحَرِيٌّ بِمُجْتَمَعٍ يَتَعَثَّرُ فِيْ أَذيَالِ مُعَاْنَاْتِهِ؛ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى سَلاَمَةِ خَطْوِهِ وَاْسْتِقَاْمَةِ خُطْوَاتِهِ.
إِنَّ رُوْحَ التَّسَامُحِ والتَّغَافُرِ وَالصَّفْحِ؛ رُوْحٌ طَيِّبَةٌ طَهُوْرٌ، وَمَاْ أَحَوْجَ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ إِلَىْ غَسْلِ أوْزَارِهِمْ بِضِيَائِهَا، وَإِزَالَةِ أدْرَانِهِمْ بِطِيْبِهَا وَنُوْرِهَا.
وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ تَجْرِبَةِ الْإِخْوَانِ الْفاشِلَةِ؛ لاَئِحَةٌ مَعَالِمُهُ، لَا تُخْطِئُهَا عَيْنٌ بَاصِرَةٌ، وَلَا مُقْلَةٌ مُبْصِرَةٌ، إلّاْ قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ كُهُوْفٍ كَالْقُبُورِ، إِلَى الْبَراْحِ وَإِلَىْ النُّوْرِ، فَأَبَوْاْ إلّا أَنْ يَصْحَبُوا ظُلْمَةَ الْكُهُوفِ، وَيَحْيَوْا فِي ضِيْقِ الْقُبُورِ.
مَا أَضْيَعَ أمَّةً يَحْذُو بِرَكْبِ دَعْوَتِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ: الْمُبْتَدِعُونَ الْجَاهِلُونَ، الْمُتَعَالِمُوْنَ الْمُغَامِرُونَ.
لَقَدْ كَانَ أكْبَرَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ كُبْرَى خَطَايَاهُمْ؛ أَنْ صَرَفُوا جُهْدَهُمْ، وَوَفَّرُوا طَاقَتَهُمْ، عَلَى التَّمْكِيْنِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنَّهُ أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والاسْتِخْلَافِ الَّذِي آَمَنُوا أَنَّهُ قَدْ سِيْقَ إِلَيهِمْ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِخْوَانُ لَحْظَةً لِيَتَدَبَّرُوا: أَهُمُ الْمَعْنِيِّونَ بِالتَّمْكِينِ حَقًّـًا؟ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُهُ صِدْقَــًا؟.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [النور: 55].
حَسِبَ الْإِخْوَانُ أَنَّهُمْ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الطَّهُورِ، دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ، وَتَعَامَوْا عَنْ الْمَعْنَى اللَّطِيْفِ فِي الْنَّظْمِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ اَبْتَدْعَوا مِنْكُمْ، ولا: الَّذِينَ حَالَفُوا أهْلَ الشِّرْكِ مِنْكُمْ، وَلَا: الَّذِينَ وَالَوْا الْأَعْدَاءَ وَعَادَوْا الْأَوْلِيَاءَ مِنْكُمْ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ “.
وَاللهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يَقُلْ: وَعَمِلُوا الطَّالِحَاتِ، وَلَا: وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، وَلَا وَعَمِلُوا الْمُوبِقَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: “وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”.
وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”، و”شَيْئًا”: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَهِي تُفِيدُ الْعُمُومَ.
فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُرُوطِ التَّمْكِينِ هَذِهِ !؟
مَثَلُ الْإِخْوَانِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَـاً ::: شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
لَقَدْ كُنْتُ أُبْصِرُ وَأَسْمَعُ كُلَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّمْكِينِ الْمَزْعُومِ، وَكُنْتُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ أَنَّهُمْ لَنْ يُمْكَّنُوا؛ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أهْلَ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَمَنْ عَرَفَ صَنِيْعَ وَزِيْرِ الْأَوْقَافِ الْإِخْوَانِيِّ وَهُوَ يَنْفِي أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءةِ وَالصِّدْقِ، وَيَأْتِي بِآَخَرِيْنَ مِنْ أهْلِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْجَهْلِ؛ عَرَفَ تَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [الملك:22]، وَتَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5] ، وَعَلِمَ كَيْفَ يَكُونُ عَبَثُ الْعَابِثِينَ، وَتَخْلِيطُ الْمُخَبَّلِينَ.
لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ؛ فَأَمُرُّ بِهِ مُرُورَ الْكِرَامِ الْمُعْرِضِيْنَ عَن اللَّغْوِ، وَفِي أُذُنَيَّ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَكَانَتْ كَعَنْزِ السَّوْءِ قَامَتْ لِحَتْفِهَا ::: إِلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ الثَّرَى تَسْتَثِيرُهَا
لَقَدْ كَانَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَانْقَضَتْ بِهِ حِكْمَةُ اللهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ؛ أَنْ ابْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامَـًا كَامِلَاً، بَلْ حَوْلًا أَكْتَعَـًا؛ بِرُؤْيَةِ وُجُوْهِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ -مِنْ الْإِخْوَانِ وَأَشْيَاعِهِمْ-؛ بِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيهَا مِنْ سَوَادِ الْبِدْعَةِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
وَاُبْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامًا أَكْتَعَـًا بِسَمَاعِ نَعِيبِهِمْ وَتَخَارِيْفِهِمْ؛ فِي مَكْرِهِمْ وَمُخَادَعَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الْأَكْتَعُ: فَهُوَ حَوْلُ الذَّلْفَاءِ فِي طُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، دُونَ مَبَاهِجِهِ وَلَذَّاتِهِ.
يــا لَيْتَنِي كُنْـتُ صَبِيَّــاً مُـــرْضَــعَا :: تَحْمِلُنِي الذَّلْفَــــــــاءُ حَــــوْلاً أكْتَعَا
إذا بَكَيْـــــــتُ قَبَّـــــــــلَتْنِي أرْبَــــــــعَا :: إذًا ظَلِلْتُ الْعُمْرَ أبْكِي أجْمَعَا
إِنَّ أَخَطَرَ مَا يُوَاجِهُ مُجْتَمَعَاً بَعْدَ التَّحَوُّلَاتِ الْحَادَّةِ، وَالْاِضْطِرابَاتِ الْعَنِيفَةِ؛ مَا يُسَمِّيهِ الْبَاحِثُونَ بِالرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ. وَالرُّومانْسِيَّةُ الثَّوْرِيَّةُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَعِيْشُهَا الْجَمَاهِيرُ وَقْتَاً يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ، تَعْتَقِدُ فِيْهِ الْخَيَالَ حَقِيقَةً، وَالْمِثَالَ وَاقِعًا.
فَإِذَا وَسَّدَتْ الْأُمَّةُ أَمْرَهَا إِلَى أحَدِ أَبْنَاْئِهَا؛ طَالَبْتْهُ الْجَمَاهِيرُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَيَالَ شَاخِصًا، وَالْبَعيدَ دَانِيًا، وَالْمُسْتَحِيلَ مُمْكِنًا. وَحَاسَبَتْهُ حِسَابًا عَسِيرَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ.
إِنَّ النَّاسَ لَا يَنْقِمُوْنَ غَالِبًا إِلَّا وَاقِعَاً خَشِنَاً، تَبْرُزُ أَنْيَابُ مُعَانَاتِهِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ أَغْوَالِ، وَيَسِيرُ النَّاسُ فِيْهِ عَلَى مِثْلِ حَدِّ الْمُوْسَى تَأَلُّمَاً وَصُرَاخَاً.
وَعَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ يَفْزَعُونَ عَنْ وَاقِعِهِمْ إِلَى الرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ؛ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الْوَاقِعِيَّةِ الْحَياتِيَّةِ؛ بِرِفْقٍ وَحُنُوٍ، وَصَبْرٍ وَإِخْلاَصٍ، وَمُصَارَحَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ، وَإلّا يَفْعَلْ؛ يَزْدَدْ سَخَطُهُمْ، وَلَا تُؤْمَنْ نِقْمَتُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قُومَاً لَا يَفْقَهُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوْا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ.
وَقَدْ كُنْتُ نَبَّهْتُ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِلَيْهِ، فِي مَعْرِضِ نُصْحِهِمْ، بِتَقْويمِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ انْحِرافِهِمْ، عَامَ ألْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ، وَهُمْ يُنَافِسُونَ عَلَى مَقَاعَدِ الْبَرْلَمانِ حِينَ ذَاكَ، وَقَدْ جَعَلُوا أَصْلَ دِعَايَتِهِمْ: الْإِسْلامُ هُوَ الْحَلُّ.
وَقَدْ كُنْتُ تَسَائَلْتُ مَا مَعْنَى هَذَا الشِّعَارِ فِي السِّياقِ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ؟!
أَلَا إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الْحَلُّ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَالْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي سِيَاقِ الدِّعَايَةِ الانْتِخابِيَّةِ الإِخْوَانِيَّةِ؛ يَنْصَرِفُ إِلَى حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمُعَالَجَةِ هُمُوْمِهِمُ الْحَياتِيَّةِ.
وَقُلْتُ وَقْتَهَا: لَوْ اخْتَارَكُمْ النَّاسُ لِأَجْلِ هَذَا الشِّعَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَسَيُطَالِبُوْنَكُمْ غَدَاةَ تَوَلِّيْكُمْ الْحُكْمَ بِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَفْعِ دُخُولِهِمْ، وَتَحْسِيْنِ حَيَاتِهِمْ، وَسَيُطَالِبُكُمْ كُلٌّ بِبَيْتٍ أَنِيْقٍ، وَسَيَّارَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَمَدَارِسَ لِلْأَبْنَاءِ مُتَطَوِّرَةٍ، وَدَخْلٍ لِلْأُسْرَةِ يَجْنَحُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَتَقُوْلُوْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ: “لِيَرْبِطْ كُلٌّ مِنْكُمْ عِنْدَ الْجُوعِ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا، وَلَكُمْ فِي الرَّسُولِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقَدْ كَانَ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ؛ جُوْعُوا تَصِحُّوا، وَعَلَيكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسُّلْوَانِ”.
وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَسَيَكْفُرُوْنَ بِشِعَارِكُمْ، وَسَيَكْتَشِفُوْنَ كَذِبَكُمْ وَزَيْفَكُمْ؛ وَذَلِكَ مَا كَانَ.
ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةٌ فَارِقَةٌ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، كَانَتْ مِصْرُ فِيْهَا –بِسَبَبِهِمْ- مِنْ الْارْتِبَاكِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّضَارُبِ فِي نِهَايَةٍ، وَتَصَدَّرَ الْإِخْوَانُ الصُّفُوْفَ حَاكِمِينَ، فَهَوَوْا إِلَى الْقَاعِ مُسْرِعِيْنَ، وَتَسَارَعُوْا إِلَى الْإخْفَاقِ مُهْطِعِيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَحْكُمُوْنَ بَاسِمِ الدِّيْنِ.
وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، أَنَّ بَعْضَ قَادَتِهِمْ مُدْرَجٌ فِي قَائِمَةِ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الْعَالَمِ؛ فَكَيْفَ لَمْ يَجُدْ عَلَى بَلَدِهِ وَأَهَلِهِ بِنِصْفِ ثَرْوَتِهِ، بِثُلُثِهَا، بِرُبُعِهَا، بِخُمْسِهَا، بِعُشْرِهَا؟!، بَلْ كَيْفَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ اِقْتِصَادِ بَلَدِهِ، وَمَا لِأَهْلِ وَطَنِهِ، الَّذِينَ أَحْسَنُوْا الظَّنَّ بِهِ وَبِرفاقِهِ، وَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ فَرَاحُوا يَحْكُمُونَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ أفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْفَرْدِ، بِسَبْعِ وَعِشْرِيْنِ دَرَجَةٍ.
حَكَمُوْا جَمَاعَةً؛ لِتَتَنَزَّلَ الْبَرَكَةُ، وَطُوْبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَهَامِّ مَنْصِبِهِ -وَلَوْ كَانَ رِئَاسَةً- عَلَى أَخِيْهِ -وَلَوْ كَانَ أحْمَقَ جَاهِلَاً-. وَلَا بَأْسَ؛ فَصَدَقَةٌ قَلِيلَةٌ، تَمْنَعُ بَلَاوِيَ كَثِيرَةً.
إِنَّ بَاعَةَ الْبَصَلِ يُنَادُوْنَ عَلَيْهِ فِي أَسْواقِنَا بِالرُّمَّانِ، وَبَاعَةَ التِّرْمِسِ يَصِيْحُوْنَ عَلَيْهِ يَا لَوْزَ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْطَلِيَ هَذَا الدَّلالُ عَلَى أحَدٍ. وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ، وَهُوَ تَعَالَى يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا :: إذا نَحنُ مِنْهُمْ سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنِيَــــــــا لَا يَــــــدُوْمُ نَعِيْمُهَا :: تَقَـــــــلَّبُ تَاْرَاْتٍ بِنَـــا وَتَصـــــــــــــَرَّفُ
إِنَّ أَيَّ مُجْتَمَعٍ تَهِيْ فِيْهِ عُرَى الْأخْلَاقِ، وَتَضْعُفُ فِيْهِ مُقَوِّمَاتُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ؛ هَيْهَاتَ أَنْ يُوَفَّقَ إِلَى تَأْسِيْسِ دَوْلَةٍ مَكِيْنَةٍ، أَوْ إقامَةِ حُكْمٍ رَشِيْدٍ.
إِنَّ النُّفُوسَ الدُّنْيا لَا يُمْكِنُهَا أَنَ تُقِيْمَ أَحْكَامَ الْعَلِيِّ الْأعْلَى، وَلَا تَسْتَطِيْعُ -وَهِيَ مُخْلِدَةٌ إِلَى الْأرْضِ- أَنْ تَسْتَجِيْبَ لِتَعَالِيْمِ الْوَحْيِ، أَوْ تَسْتَقِيْمَ مَعَ جَوِّهِ النَّقِيِّ الطَّهُورِ. وَالنُّفُوسُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِي أَهْوَائِهَا الصَّغِيْرَةِ؛ لَا تَفْقَهُ الدِّيْنَ، وَلَوْ فَقِهَتْهُ مَا أَصْلَحَتْ بِهِ شَيْئَاً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصْلُحَ هِيَ بِهِ.

فَيَا طَالِبَ الْعِلْمِ – بَارَكَ اللهُ فِيْكَ وَفِي عِلْمِكَ – اطْلُبْ الْعِلْمَ، وَاطْلُبْ الْعَمَلَ، وَادْعُ إِلَى اللهِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَلَا تَكُنْ خَرَّاجَاً وَلَّاجَاً فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَتَخْرُجَ مِنْ السَّعَةِ إِلَى الْقَوَالِبِ الضِّيقَةِ، فَالْإِسْلامُ كُلُّهُ لَكَ جَادَّةٌ وَمَنْهَجٌ، وَالْمُسْلِمُوْنَ جَمِيْعُهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ؛ وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلَا طَائِفِيَّةَ وَلَا حِزْبِيَّةَ فِي الْإِسْلامِ.
أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَصَدَّعَ، فَتَكُونَ نَهَّابَا بَيْنَ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأحْزَابِ الْغَالِيَةِ، تَعْقُدُ سُلْطَانَ الْوَلاَءِ وَالْبَرَاءِ عَلَيْهَا.
فَكُنْ طَالِبَ عِلْمٍ عَلَى الْجَادَّةِ؛ تَقْفُوْ الْأثَرَ، وَتَتَّبِعُ السُّنَنَ، تَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ، عَارِفَاً لِأهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ.
فَإِنَّ الْحِزْبِيَّةَ: لَذَاْتُ مَسَارَاتٍ، وَإِنَّ الْقَوَالِبَ الْمُسْتَحْدَثَةَ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا السَّلَفُ؛ لَمِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ عَنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤَدِّى إِلَى التَّفْرِيْقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَكَمْ أَوَهَنَتْ حَبْلَ الْإِخَاءِ فى الدِّيْنِ، وَغَشِيَتْ الْمُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِهَا الْغَوَاشِي.
وانْشِطَاْرُ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ وَالْفِرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لاَبُدَّ مِنْهُ، هِيَ ضَرْبَةُ لاَزِمٍ عَلَى الْأحْزَابِ وَالْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لاَبُدَّ مِنْ انْشِطَارِهَا، فَتَنْشَطِرُ الْجَمَاعَةُ -أَوْ الفِرْقَةُ، أَوْ الْحِزْبُ- إِلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَطِرُ كُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
كَانَ ذَلِكَ قَدِيْمَاً فِي الْأحْزَابِ الَّتِي نَشَأَتْ، وَالْفِرَقِ الَّتِي نَجَمَتْ؛ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلِيَّةِ، والْمُرْجِئِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ أُولَئِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْبَاطِلَةِ، فَانْشَقُّوْا وَتَمَزَّقُوْا، وَكُلٌّ يُكَفِّرُ كُلَّاً .
وَكَذَا الشَّأْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ بَصَرٌ أَبْصَرَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بَصِيْرَةٌ عَلِمَ، وَأَمَّا مَنْ طَمَسَ اللهُ عَيْنَ بَصِيْرَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ غِشَاوَةً؛ فَلَنْ يَرَى الْحَقَائِقَ اللّاَئِحَةَ، وَلَنْ يُبْصِرَ الدَّلائِلَ الْوَاضِحَةَ.
فَاحْذَرْ -رَحِمَكَ اللهُ- فِرَقَاً –أحْزَابًا، جَمَاعَاتٍ- طَافَ طَائِفُهَا، وَنَجَمَ بِالشَّرِّ نَاجِمُهَا، فَمَا هِيَ إلّا كَالْمَيَازِيْبِ تَجْمَعُ الْمَاءَ كَدَرَاً، وَتُفَرِّقُةُ هَدَرَاً؛ إلّا مَنْ رَحِمَهُ رَبُّكَ فَصَارَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإمَامُ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ عَلاَمَةِ أَهْلِ الْعُبُوْدِيَّةِ:
“الْعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْسَبُوا إِلَى اِسْمٍ، لَمْ يُشْتَهِرُوْا بَاسِمٍ يُعْرَفُوْنَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَسْمَاْءِ الَّتِي صَارَتْ أَعْلاَمًا لِأهْلِ الطَّرِيقِ، وَأَيْضَاً فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوْا بِعَمَلٍ وَاحِدٍ يَجْرِي عَلَيهِمْ اسْمُهُ، فَيُعْرَفُوْنَ بِهِ دُوْنَ غَيْرِه مِنْ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا آفَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَأَمَّا الْعُبُودِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا بَاسْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهَا، فَإِنَّهُ مُجِيْبٌ لِدَاعِيْهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا، فَلَهُ مَعَ كُلِّ أهْلِ عُبُودِيَّةٍ نَصِيْبٌ، يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَسْمٍ وَلَا إشارَةٍ، وَلَا اسْمٍ وَلَا زِيٍّ، وَلَا طَرِيْقٍ وَضْعِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ؛ بَلْ إِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: “الرَّسُولَ”، وَعَنْ طَرِيْقِهِ قَالَ: “الْاِتِّبَاعَ”، وَعَنْ خِرْقَتِهِ قَالَ: “لِبَاسُ التَّقْوَى”، وَعَنْ مَذْهَبِهِ قَالَ: “تَحْكِيْمُ السُّنَّةِ”، وَعَنْ رِبَاطِهِ قَالَ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا مَسْتُوْرِينَ عَنْ النَّاسِ بِأَسْبَابِهِمْ، غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِمْ، وَلَا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دُوْنَ النَّاسِ، وَلَا مُنْتَسِبِيْنَ إِلَى اسْمِ طَرِيْقٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ شَيْخٍ أَوْ زِيٍّ؛ كَانُوْا بِمَنْزِلَةِ الذَّخَائِرِ الْمَخْبُوْئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الآَفَاْتِ؛ فَإِنَّ الآَفَاْتِ كُلَّهَا تَحْتَ الرُّسُوْمِ وَالتَّقَيُّدِ بِهَا، وَلُزُومِ الطُّرُقِ الْاِصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْأَوْضَاعِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَطَعَتْ أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَنْ اللهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللهِ”.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأئِمَّةِ عَنْ السَّنَةِ فَقَالَ : “مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ”. يَعْنِي أَنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَى السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا يَارَبَّ الْعَالَمَيْنَ.
أهْلُ الْإِسْلامِ لَيْسَ لَهُمْ رَسْمٌ سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ فِي الدَّعْوَةِ إلَيْهِمَا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَهُمْ كَمَا وَصْفَهُمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” وَهُمْ الَّذِيْنَ سَمَّاهُمْ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : الْجَمَاعَةَ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ: هُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُوْرَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ الْأَمِيْنُ، وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ، وَهُمْ الْمُنْتَسِبُوْنَ لِسُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَهُمْ الرّاغِبُوْنَ فِيْهَا دُوْنَمًا سِوَاهَا مِنْ الْأَهْوَاءِ لَمَّا مَالَتْ بِأهْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
وَلَمَّا تَشَعَّبْتْ بِالْأُمَّةِ الْأَهْوَاءُ صَارُوا هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُوْنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، وَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَهُمْ مَنْ تَبِعَ أثَرَهُمْ؛ وَهُمْ الَّذِيْنَ يَسِيْرُونَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ سَلَفِهِمْ الصَّالِحِيْنَ؛ لِهَذَا فَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى التَّمَيُّزِ بِلَقَبٍ، وَلَا رَسْمٍ، وَلَا اسْمٍ، وَلَا شِعَارٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمامُ الْبُرُوْزِ وَالظُّهُوْرِ لِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرِيفَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ إلّا حِيْنَ دَبَّتْ فى الْمُسْلِمِيْنَ الْفُرْقَةُ، وَتَعَدَّدْتْ عَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ الْفِرَقُ، وَتَكَاثَرَتْ الْأَهْوَاءُ، وَخَلَفَتْ الْخُلُوْفُ؛ فَبَرَزَتْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الشَّرِيْفَةُ لِلْتَمَيُّزِ عَنْ مَعَالِمِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَلْقَابٌ لَا تَخْتَصُّ بِرَسْمٍ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، زِيَادَةً أَوْ نَقْصَاً؛ وَإِنَّمَا يُمَثِّلُونَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْحالِ الْاِمْتِدَادَ الطَبْعِيِّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَاْبُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِي الشَّكْلِ وَالْمَضْمُوْنِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
إِنَّ أَيَّ فِرْقَةٍ -إِنَّ أَيَّ حِزْبٍ، إِنَّ أَيَّ جَمَاعَةِ- تَعِيْشُ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاسْمٍ أَوْ رَسْمٍ خَاصٍّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّمَا هِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ مِنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ، بِقَدْرِ مَا لَدَيْهَا، أَوْ مَا تَفْتَقِدُهُ مِنْ شَرِيْعَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيْمِ.
وَعَلَيْهِ؛ فَاَلْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، لِمَ تُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ – رِضْوانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ -؟!
وَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ تَكُوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ الْمُؤَيَّدُوْنَ، وَهُمْ الْمَنْصُوْرُوْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -.
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحاجَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ أَمْرَاضَهَا، وَلَا أَنْ تُشْفَي عِلَلُهَا، وَلَا أَنْ تَبْرَأَ أسْقَامُهَا؛ إلّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إلّا بِأَنْ تَكَوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ، وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَابُهُ – رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجَمْعَيْنَ -.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ الْغُمَّةَ، وَأَنْ يُزِيْلَ الْمُلِمَّةَ، وَأَنْ يَجْمَعَ الْجَمِيْعَ عَلَى طَاعَتِهِ؛ إِنَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيْرٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْواجِهِ وَآَلِهِ أَجَمْعَيْنَ.

الإضرابات والاعتصامات في مصر

فهذه صفحة من صفحات تاريخ أمتنا، وهي في أجلِّ زمنٍ وأعظمه ، مرَّ بهذه الأمة ومرَّت الأمةُ به ، في عهد عمر – رضي الله عنه – على إثْرِ ما كان من الخلافة الراشدة للصديق – رضي الله عنه – ، على منهاج نبوة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فقد كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ، ينعمون بأنباء النصر ، الذي حالف جند الإسلام في العراق والشام ، وينعمون بأخماس الفيء تَرِدُ إلى الخليفة ، يُقَسِّمُها بينهم أعطيات أعطيات ، تزيدهم رخاءً ، وتنقلهم من شَظَفِ البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لِيْنَاً وطراوةً ، زادتهم هذه الأعطياتُ قدرةً على أن يبتاعوا من تجارة اليمن ، ومن تجارة الشام ما يشاؤون ، وأن يقتنوا من خيراتِ مصر ، تجييءُ إليهم محمولة على السفن ، ما يجدون في اقتنائه متاعًا لم يكن لهم من قبلُ بمثله عهد .
وإنهم لكذلك ناعمون إذ فَجَاَهُم أمران كبيران؛ فقد أصيبوا في أخريات السنة السابعة عشر وطيلة السنة التي تَلَتْهَا بِهَوْلَيْنِ عَظيمَيْن ، أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة ، وأصاب الآخر إخوانهم المجاهدين في الميادين ، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال ، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع ، والحرث والنسل ، وأصابَ الناسَ منها أشد الجهد والبلاء .
وأما الهول الثاني فطاعون عَمَوَاس ، الذي امتد من الشام إلى العراق ، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساءً ، جندًا ومدنيين ، حتى ارتاع له عمرُ وارتاع له الناس جميعًا أيما ارتياع ، وأصيب المسلمون في مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بل في شبه الجزيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، بمجاعة وقحط ، كان من آثاره ما يأتي بعدُ .
وأصيب المسلمون في ميادين القتال وما حولها من الأرض المفتوحة في الشام والعراق بالطاعون ، الذي فَتَكَ بهم فتكاً ذريعًا ، واستشرى فيهم كالنار في الهشيم ، وسبب المجاعة أن أمسك الله المطر عن شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة ، وأن تحرَّكَتْ الطبقات البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل ما عليه من نبات ، فصارت الأرض سوداء مُجْدِبَةً ، كثيرة التراب ، فإذا رِيْحَتْ سَفَتْ رمادًا ، إذا جاءتها الريحُ سفَت الرماد ، حتى سُمِّيَ العام بعام الرَّمَادَة ، تخَدَّدَتْ فيه الأرض أخاديد أخاديد ، وصار الناسُ فيه إلى جوع شديد ، وكل ذلك في مدينة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها من أرض الجزيرة كلها ، وكل ذلك في عهد الفاروق عمر – رضي الله عنه – ، ومعه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مَنْ معه .
ونشأ عن إمساك المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوعٌ أهلكَ الناس والأنعام ، وقد فَنِيَ الكثير من قطعان الغنم والماشية ، وجفَّ ما بقيَ منها ، حتى كان الرجل يذبح الشاة يعافها لقبحها برغم جوعه وبلواه ، ولكن لا يجد من نفسه على مثل هذا الشيء إقبالًا ، ومن ثَمَّ أقْفَرَت الأسواق فلمْ يبقَ فيها ما يُباع ويُشترى ، وأصبحت الأموال في أيدي أصحابها لا قيمة لها ، إذ لا يجدون لقائها ما يسد رَمَقَهُم ، ولا ما يقيم أوْدَهُم ، وطال الجَهْدُ واشتد البلاء ؛ فكان الناس في عهد عمر – رضي الله عنه – وفي مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها ؛ كان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ، يُخرِجون ما فيها من تلك الحيوانات .
كان أهل المدينة – مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أحسن من غيرهم حالًا أولَ العهد بالمجاعة ، فالمدينة حَضَر ، ادَّخَر أهلُها حين الرخاء ما اعتاد أهلُ الحَضَر ادِّخاره ؛ فلما بدأ الجدبُ جعلوا يُخرجون ما ادَّخَروا يعيشون منه ، أما أهل البادية فلم يكن لهم مُدَّخَرٌ فاشتد بهم الكرب من أول الأمر ، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ، ويلتمسون لدى أهلها فتاتًا يقيمهم ، وازداد هؤلاء اللاجئون عددًا فضاقت بهم مدينة الرسول ، واشتد بأهلها البلاء ، وصاروا في مثل حال أهل البادية جدْبًا ومَسْغَبَةً وجوعًا .
ماذا يصنع عُمَرُ بنفسه ؟! وماذا يصنع بهؤلاء الجياع !؟ ….

استماع

ماذا لو حكم الإخوان مصر؟

الْيَوْمَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَعَطَائِهِ وَنِعْمَتِهِ- عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلَّمُ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذُوا فُرْصَتَهُمْ كَامِلَةً، حَتَّى صَارُوا عَلَى أَعْتَابِ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَحْلُمْ بِهِ يَوْمًا أَشَدُّهُمْ تَعَصُّبًا، وَأَكْثَرُهُمْ غُلُوًّا.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ صَارُوا -بِزَعْمِهِمْ- قَادِرِينَ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَإِنْزَالِ الْمَوْتِ الزُّؤَامِ، وَاسْتِيفَاءِ مَا يَظُنُّونَهُ حُقُوقًا أَجَّلَ اسْتِيفَاءَهَا احْتِدَامُ الصِّدَامِ مَعَ النِّظَامِ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَكَمْ سَكَتُّ عَنْهُمْ فِي أَحْوَالٍ مِنْ ضَعْفِهِمْ، وَحَيْصَتِهِمْ، وَارْتِبَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الْإِجْهَازَ عَلَى الْجَرْحَى، وَاتِّبَاعَ الْفَارِّينَ، وَالتَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ!!

وَمَا زِلْتُ أَطْمَعُ أَنْ يُعِينَنِي ذُو الْجَلَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ التَّمَسُّكِ بِأَهْدَابِ أَذْيَالِ أَخْلَاقِ عَصْرِ الْفُرُوسِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مَا يُعَانُونَ لِكَيْ يُحَقِّقُوا التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ عَصْرِ الْحُمُورِيَّةِ!!

وَكَمْ هُوَ عَسِيرٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ، بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ وَمَا هُوَ مَوْضُوعِيٌّ!!

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَتَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ حُكْمِ مِصْرَ؛ لِأُجِيبَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- عَنْ سُؤَالٍ مِنْ حَقِّ الْمَحْكُومِينَ عَلَى الْحَاكِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا إِجَابَتَهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ أُمُورُ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ جَمِيعًا، وَهِيَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْوُضُوحِ؛ إِذِ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، وَالْجَهْلُ قَتَّالٌ لِأَقْوَامٍ!

وَالْإِخْوَانُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الَّتِي آمَنُوا بِهَا، وَرَوَّجُوا لَهَا، وَبَلَغُوا بِهَا مَبَالِغَهُمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تُشْرَعُ سِهَامُهَا إِلَى نُحُورِهِمْ، وَتُصَوَّبُ خَنَاجِرُهَا إِلَى صُدُورِهِمْ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ شُوِّهَتْ فِيهِ مَعَالِمُ الشَّرِيعَةِ، وَحُرِّكَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا ثَوَابِتُهَا؛ بِحُجَّةِ تَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَكْثِيرِ الْمَصَالِحِ، وَمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدِّينِ السَّفَاهَةُ وَالْجُنُونُ؛ حَتَّى صَارُوا كَمَنْ سُئِلَ: كَمْ لِلْأَرْنَبِ مِنْ رِجْلٍ؟!! فَأَجَابَ: لِلْعُصْفُورِ جَنَاحَانِ!!

كَذَلِكَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا تَكَادُ تَشُكُّ فِي جُنُونِهِ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُتَكَلِّمًا، بَلْ هُاذِيًا، وَقَدْ جَحَظَتْ عَيْنَاهُ، وَانْقَلَبَتْ حَمَالِيقُهُ، وَسَبَقَ لِسَانُهُ عَقْلَهُ -إِنْ كَانَ لَهُ-، فَتَوَرَّطَ فِي سَبِّ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رُوجِعَ، اتَّهَمَ مَنْ سَمَّاهُمْ بِالْمَدَاخِلَةِ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُسْتَهْدَفٌ بِمُؤَامَرَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَاكَتْ أَطْرَافَهَا شَيَاطِينُ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٌ مِنْ كُلِّ جِنِّيٍّ مَارِدٍ وَجِنِّيَّةٍ.

وَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ، وَيُقِرَّ وَيُذْعِنَ، وَيَتَطَامَنَ وَيَخْشَعَ، وَيَفِيءَ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعُودَ إِلَى الرَّشَادِ، رَاحَ يُوَزِّعُ اتِّهَامَاتِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَنَاةِ الَّتِي يُسَبُّ فِيهَا بَوَاكِي!!

وَشَيْخُهَا يَعْتَذِرُ عَلَى الْهَوَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَعْتَذِرُ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمُعْتَذِرٍ.

وَآخَرُ يَأْمُرُ الْأَبْنَاءَ بِسَرِقَةِ الْآبَاءِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ عُقُوقِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَتَعْوِيدِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَدِّ أَيْدِيهِمْ إِلَى حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تُقْصَرَ، وَعَلَى اسْتِطَالَتِهَا حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُكَفَّ، وَالرَّجُلُ -مَعَ ذَلِكَ- صَاحِبُ ادِّعَاءَاتٍ عَرِيضَةٍ، وَتَهْوِيلَاتٍ سَخِيفَةٍ، وَلَكِنْ سَامِعُوهُ مِمَّنْ صَدَّقُوهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ!! بَلْ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ!!

وَثَالِثٌ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدَّعِي مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَيِّدْ مُرَشَّحَهُ الْمُفَضَّلَ، سَيَلْدَغُهُ الثُّعْبَانُ فِي الْقَبْرِ بِضْعَ سِنِينَ!!

وَلَيْسَ هَذَا سِوَى نَمُوذَجٍ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَسَخَافَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ يُبَعْثِرُهَا عَلَى أَسْمَاعِ الْمُغَيَّبِينَ فِي رُبُوعِ مِصْرَ الْمُبْتَلَاةِ بِهِمْ.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنِ ابْتَلَى اللهُ مِصْرَ بِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ.

أَتَطْمَعُ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُ سُعْدَى             وَتَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَكَ قَدْ عَصَاكَ؟!!

فَإِذَا كَانَ قَلْبُكَ يَعْصِيكَ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَيْكَ وَلَا يُطِيعُكَ، أَفَتَطْمَعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُهَا؟!!

مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ!

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ عَدْلِ عُمَرَ وَإِنْصَافِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَدْلِ مَا يُقِيمُونَ بِهِ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ مَعَ مُؤَالِفِيهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِمُخَالِفِيهِمْ؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَنْ تُطَبَّقَ إِلَّا بِجِيلٍ طَبَّقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَصَبَغَ بِهَا حَيَاتَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَضَحَتْ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ بِأَخْلَاقِ الْمَسْجِدِ، لَا كَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ بِأَخْلَاقِ السُّوقِ!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ، فَأَيْنَ هِيَ الْعَقِيدَةُ فِي دَعْوَتِكُمْ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَدْعَمُونَهَا، وَتُرَوِّجُونَ لَهَا، وَتُقَاتِلُونَ دُونَهَا، وَتُكَفِّرُونَ أَوْ تُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهَا؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، لِمَاذَا تُطِيلُونَ عَلى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ، وَتُصَعِّبُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ السَّهْلَ، وَتُبْعِدُونَ عَنِ الْمُحْسِنِينَ الْقَرِيبَ؟!!

إِنَّ الْجِيلَ الْمِثَالِيَّ الْأَوَّلَ أَقَامَ الشَّرِيعَةَ لَمَّا قَامَ بِهَا، وَأَرْسَى الدِّيَانَةَ لَمَّا تَدَيَّنَ بِهَا، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ لَمَّا عَمِلَ بِالْإِسْلَامِ وَعَاشَ الْإِسْلَامَ، وَثَبَّتَ دَعَائِمَ الْحَقِّ لَمَّا تَحَقَّقَ بِهِ، وَسَمَّعَ الدُّنْيَا فَسَمِعَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا لَمَّا تَخَلَّقَ بِهَا وَحَقَّقَهَا.

الْيَوْمَ مِنْ حَقِّ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَمِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، أَنْ نُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ:
مَاذَا لَوْ حَكَمَ الْإِخْوَانُ مِصْرَ -أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ-؟!!

استماع