رسالة إلى الإخوان المسلمين

فهذه كلمة أتوجه بها إلى الإخوان المسلمين وأتباعهم وأشياعهم من الإنس والجن؛ فإن الجن كالإنس فيهم جماعات، في الجن إخوان مسلمون وتكفيريون وتبليغيون، وفيهم أهل سنة كثّرهم الله رب العالمين .
هذه كلمة أتوجه بها إلى الإخوان المسلمين وأتباعهم وأشياعهم من الجن والإنس ؛ اتقوا الله في الإسلام ، اتقوا الله في المسلمين ، اتقوا الله في هذا الوطن الإسلامي ، لقد بغَّضتم المسلمين في الإسلام وأضررتم المسلمين وأوطانهم في عام واحد ما لم يستطع أعداء الإسلام أن يفعلوه في ألف عام ، لا تلوموا إلا أنفسكم ، اخرجوا من جهلكم بدينكم ، واعلموا أن العلم قبل القول والعمل ؛ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، فالعلم قبل القول والعمل ، اتقوا الله في هذا الشهر الحرام ؛ لا تظلموا فيه أنفسكم ، لا تُحْدِثُوا فيه ، لا تفسدوا فرحة المسلمين بعيدهم وحَجِّهِم ، إياكم والإفساد في الأرض إن الله لا يصلح عمل المفسدين ، اتقوا الله في هذا الوطن الإسلامي ؛ لا تخربوا ولا تفجروا ولا تدمروا ولا تعيثوا في الإرض فسادًا ، لا تبسطوا أيديكم في دماء المسلمين ؛ فإن المسلم لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ، اتقوا الله في الدماء ، واعلموا أن الخطأ في ترك ألف كافر أَصْلِيٍّ أهون عند الله من إراقة قطرات من دم مسلم .
أيها الإخوان ، أيها التكفيريون ، أيها المفجرون والمغتالون ، أيها الزاعمون إقامة الدين ونصرة الشريعة ؛ إن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته؛ فهل هذه طاعته؟ هل ما تصنعون من طاعة رب العالمين ؟ اتقوا الله في المسلمين ، واتقوا الله في الإسلام ، اتقوا الله في أنفسكم ، واعلموا أنكم ملاقوه ؛ ستقفون بين يديه ، وسيسألكم عما قدمتم وما أخرتم وما أسررتم وما أعلنتم ، توبوا إلى الله أيها الإخوان ، توبوا إلى الله أيها التكفيريون ، توبوا إلى الله أيها المنحرفون ، توبوا إلى الله أيها المبتدعون ، ارجعوا إلى ربكم وباب التوبة مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم  وحتى تطلع الشمس من مغربها ؛ فتداركوا تداركوا قبل أن ينزل عليكم من الله سخط يعمكم ، وهلاك يستأصلكم ، والله الموعد وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

استماع

القاتل السياسي تربية الإخوان

فقد ذكرت في الجمعة الفائته أننا مقبلون على المرحلة الثالثة من المراحل التي خطها التنظيم الدولي للعصابة المجرمة الآثمة “الإخوان المسلمين” في تركيا ، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الاغتيالات ؛ وقد بدأَتْ تلك المرحلةُ بالأمس القريب ، وقد كان بعد مقتل النقراشي بيد شاب إخواني من أعضاء التنظيم الخاص ، في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر ، سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وألف ، كان أنْ كَتَبَ العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر في جريدة “الأساس” سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف ، مقالاً عنوانه “الإيمان قَيْدُ الفتْك” والفتك: أن يأتي الرجلُ صاحبَه وهو غارٌّ أو غافل ، وأما الغِيْلَة : فأن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي ، قال العلامة أحمد شاكر : “رُوِّع العالم الإسلامي والعالم العربي -بل كثيرٌ من الأقطار غيرهما- باغتيال الرجل – الرجل بمعنى الكلمة- النقراشي الشهيد -غفر الله له وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين-” كذا كَتَبَ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر – رحمه الله – .
ومنه تعلم أنَّ ما يُحَمِّلُهُ إياه من صنيع أولئك الغلمان بما يُسَمَّى بالسلفية الجهادية ، من استدلال بأقواله على أنه يُكَفِّرُ الحُكَّام تكفيرًا مطلقا ؛ أن ذلك محض كذب وافتراء عليه .
وتأمَّل في هذا الثناء على النقراشي ، من هذا العلامة السلفي الكبير الشيخ أحمد محمد شاكر ، وهو ينعته بالشهيد – ومعلوم أننا لا نشهد لأحد بالشهادة ولا بالجنة ولا بالنار ؛ إلا من شَهِد له النبيُّ المختار – صلى الله عليه وآله وسلم – ، .
قال الشيخ شاكر – رحمه الله – : “وقد سَبَقَتْ ذلك أحداث قُدذِمَ بعضها للقضاء وقال فيها كلمته ، وما أنا الآن بصدد نقض الأحكام ، ولكني كنت أقرأ كما يقرأ غيري الكلامَ في الجرائد السياسية وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟ وقد رأيتُ أنَّ واجبًا عليَّ أن أبيَّنَ هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة ؛ حتى لا يكون هناك عذرٌ لمعتذر ، ولعل الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين ، فيرجعوا إلى دينهم قبل ألا يكون سبيلٌ للرجوع ، وما ندري من ذا بعد النقراشي في قائمة هؤلاء الناس ، إن الله سبحانه تَوَعَّدَ أشد الوعيد على قتل النفس الحرام ، في غير آية من كتابه ” ومن يقتل مؤمنا متعمدا ..” وهذا من بَدَهيَّات الإسلام ، التي يعرفها الجاهل قبل العالم ، وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس ، في الحوادث والسرقات وغيرها ، القاتل يُقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا ، أما القتل السياسي الذي قرأنا جدالًا طويلاً حوله ؛ فذلك شأنه أعظم ، وذلك شيءٌ آخر ، القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس ، راضي القلب ، يعتقد أنه يفعل خيرًا ، فإنه يعتقد بما بُثَّ فيه من مغالطات أنه يفعل عملًا حلالًا جائزًا ، إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قَصَّر فيه غيره ؛ فهذا مرتدٌ خارجٌ عن الإسلام ، يجب أن يُعامَل معاملة المرتدين ، وأن تُطَبَّق عليه أحكامهم في الشرائع ، وفي القانون هم الخوارج كالخوارج القدماء ، الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ويدَعون من اعترف على نفسه بالكفر …
… فكرة الهجمات الانتحارية ، أخذوها مما كان يقوم به الجيش الياباني ضد الأسطول الأمريكي البحري ، حتى أُغرِق الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي في ديسمبر سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وألف ، ترتب على إغراقه أن قامت أمريكا -التي تتزعم اليوم حقوق الإنسان ، والتي تريد الاعتداء على دمشق مهد الخلافة الأموية ، ومهد العرب والعروبة والعربية ، للحقد الصليبي ، فإن أمريكا دولة بلا تاريخ ، دولة لقيطة ، ما يبلغ عمرها؟! ، وأما هذه الحضارة الإسلامية ، فممتدة بجذورها في عمق التاريخ- أمريكا قامت بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان ، إحداهما على هيروشيما والأخرى على نجازاكي ، قُتِل في الأولى مائةٌ وأربعون ألفًا من البشر ، وفي الثانية قُتِل سبعون ألفًا من البشر ، في لحظات ، عدا الذين شُوِّهوا ، وما زالت الأجيال تعاني من أثر الإشعاع إلى اليوم ، أمريكا بيت الشر الأكبر ، وهي الشيطان الأكبر ، تريد اليوم مراعاة حقوق الإنسان ، تريد أن تحاسب السلطة الحاكمة المجرمة في سوريا ، بحجة أنها قامت بقتل مواطنيها بإلقاء السلاح الكيمائي ، مما ترتب عليه قتل ُ ألف وثلاثمائة ، منهم كثيرٌ من الأطفال . ولم يثبت إلى هذه اللحظة مَن قام بهذا العمل الإجرامي ، لعل أمريكا هي التي قامت به ، عن طريق مخابراتها ، عن طريق حلفائها ، من أجل تدمير سوريا ، ثم بعد ذلك لا يبقى إلا مصر -حفظها الله رب العالمين ، وجميع بلدان المسلمين من كل شر وسوء- .
أزعجهم جدًا أن يموت هذا العدد بذلك السلاح ، فقالوا : قُتِل هذا العدد بالسلاح الكيميائي فلا بد من التدخل الفوري ، مع أنه قد قُتِل مئات الألوف من السوريين منذ وقع النزاع ، كأنَّ القتل بغير السلاح الكيماوي مباحٌ لا أثر يترتب عليه ، وأما القتل بالسلاح الكيميائي فينبغي التدخل بسبب وقوعه فورًا ، إنها القصة القديمة الحزينة ، عندما كان الذئب يشرب من الماء الذي يمر بعد شربه على الحَمَل ، وأراد أن يجد مبررًا لقتله وأكله ، وأراد أن يعدوَ عليه فقال : ما ذنبي؟ قال عكَّرتَ الماء عليَّ ، قال: الماءُ يأتي من جهتك ، ولا يأتي من جهتي ، فقال: أَجَل ، ولكن جدَّك عكَّر الماء على جدي ! ثم عدا عليه .

استماع

الاغتيالات : المرحلة الثالثة للتنظيم

فإن المسلم هو الذي يفوض أمره إلى الله ، الخاضع لحكمه ، الممتثل لأمره ونهيه ، المسلم هو الذي يفوض أمره إلى الله ويخضع لحكمه ويمتثل لأمره ونهيه ، “وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ” ، ومن كان هذا شأنه اعتز بسلوكه ، واستقامته على طريقه ، وكان أولى من الشاعر القديم في وصف نفسه
لعمرك ما أهويت كفي لريبة *** ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها***ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماشٍ ما حييت لمنكر***من الأمر الذي لا يمشي إلى مثله مثلي
فهذا هو الإنسان الذي كَرَّم نفسه بما كَرَّمه الله به ، فَتَحَلَّى بالمعاني النبيلة، وصان نفسه عما يَغْرِس في النفوس الحقدِ والعداوة والبغضاء والتدابر، وقد بَيَّن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – صفة المسلم في أحاديث كثيرة منها ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” ومنها ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يَحْقِره بِحَسْب امرأٍ من الشر أن يَحْقِر أخاه المسلم ” ، ” كل المسلم على المسلم حرام ؛ دمه وماله وعرضه” ، وقد ذُكِر للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أن فلانة تصوم نهارها وتقوم ليلها وتَصَدَّق؛ ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم – لا خير فيها هي في النار ، وقال – صلى الله عليه وآله وسلم – ” من حمل علينا السلاح فليس مِنَّا ، ومن غشنا فليس مِنَّا ” .
فالمسلم الحق هو الذي يحترم الأخوة الإسلامية، ويقدر ما عليه من واجبات ؛ فيحافظ على دم أخيه فلا يغدر به ، ولا يقتله متجاوزًا حدود الله ، ويحافظ على ماله ؛ فلا يبدده ولا يعرضه للضياع ، ويحافظ على عرض المسلم وشرفه ؛ فلا يلوثه ولا يقذفه ولا يرميه بالفاحشة ولا يغتابه ولا يَحْقِره ، ويحب لأخيه المسلم من الخير ما يحبه لنفسه .
المسلم الحق يحافظ على المال العام : مال الدولة ؛ لأن الاعتداء على المال العام أشد حرمة من الاعتداء على المال الخاص ؛ فالمال العام تتعلق به ذمم جميع المسلمين ، والمال الخاص تتعلق به ذمة صاحبه .
المسلم الحق لا يعتدي على المال العام من المؤسسات والمنشئات والجسور والحدائق والطرقات ؛ بل يذود عنها ويحميها ؛ فكيف يصح إسلام من يستعين على هدم وطنه بالمشركين والكاذبين وأعداء الإسلام الحاقدين والمحتكرين والإنتهازيين؛ وهو يرتع مع ذلك في خير وطنه ويَعُضُّ من ثمراته ، وكيف يصح إسلام من يلجأ إلى الإجرام في الوصول إلى أغراضه، ويسعى لقتل المسلمين واغتيالهم ، والله تعالى يقول ” مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً” ، ويقول سبحانه “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا” ، والرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول في حجة الوداع ” إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم، قال: اللهم اشهد، فليُبَلِّغ الشاهد الغائب، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ” خَرَّجاه في الصحيحين .

استماع

الإسلام السياسي

فقد قال حسنُ البنا قديمًا -لما تَجَلَّتْ أخطاء الممارسة السياسية باسم الدين، ووقعت مآسٍ بسبب ذلك مصبوغة بالدماء- قال متطهرًا: “لو استقبلت من أيامي ما استدبرت، لعدت إلى ما كنت عليه ، أُعَلِّم الإسلام وأربي الناس عليه” وقال : “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما أقحمتُ الجماعة في السياسة، ولأقمت بها على المأثورات ، وانشغلت بالتربية والتعليم” . قال هذا بعدما وقع ما وقع ، وتجلَّت أمور ، وتكشَّفَتْ أحوال ، لكن لم يكن لقوله هذا من فائدة .
معلومٌ أنه عند معالجة انحراف ؛ إذا وُجِدَت مغالاة في المعالجة توَلَّد بسبب ذلك انحراف آخر ، فالمبالغة في معالجة انحراف تولد انحرافًا آخر ، فكيف إذا كانت معالجة الانحراف على غير هُدَى؟ دائمًا نكرر الأخطاء نفسها ، نحن اليوم على مثل ما كنا عليه -أو أسوأ- مما كنا عليه في عام 81 من القرن الماضي ، الأحوال هي الأحوال ، والدماء المراقة على كثرة وكثافة هي الدماء  ، والاضطراب والبلبلة في صفوف العاملين إلى دين الله رب العالمين والداعين إليه هي هي ، وكذلك ما يقع في المجتمع من اضطراب وبلبلة ؛ حتى إن كثيرًا من الناس من المساكين ، لا يستطيعون التفرقة بين الخطأ وحقيقة الدين ، ففي غَمْرَة حماستهم يحاربون الإسلام وهم يعتقدون أنهم يحاربون الانحراف عن الإسلام ، وكل ذلك لم يُؤَثِّر نتيجة طيبة ، ولا ثمرة مُرضية ، فالأخطاء هي هي ، والأحوال تكاد تكون متطابقة ، ومع ذلك فالفائدة تكاد تكون معدومة ، مع أنه كان ينبغي أن نتعلم من أخطائنا ، حتى إذا ما أردنا أن نعالِج الانحراف عالجنا الانحرف ، من غير مبالغة في معالجة الانحراف ، لأن المبالغة في معالجته تولِّدُ انحرافًا آخر.
الأخطاء -لا أقول متكررة، أو متشابهة- وإنما هي متطابقة ، فلنحاول أن نؤَدِّي بعضَ ما علينا بالبحث في جسور المسألة ، لكي نصل إلى حصل للمعضِلَة ، ومعلومٌ أن التشخيص هو أهم ما يكون في خطوات البحث عن العلاج وتحصيل الشفاء ، وإذا ما أخطأ المعالِجُ تشخيصَ المرض ؛ فإنه يسير على غير سبيل .
فلنحاول جاهدين مخلصين بفضل الله رب العالمين أن نصِلَ إلى أصل المشكلة ومَكْمَن الداء ..

استماع

حقيقة صراع الإخوان في مصر

فقد علَّمَنا شيوخُ الطِّب فيما علمونا ، ألا تَشْغَلُنَا الأعراض عن الأمراض، وأفهمونا أن الطبيب الذي يُشغله التعامل مع العرض عن معرفة أصل المرض؛ طبيب فاشل ، يضرُّ مريضَه اكثر مما ينفعه ، يضيِّع عليه وقتًا يتمكن فيه منه مرضُه، ويضيِّع عليه مالًا في دواء هو داء يضره ولا ينفعه، والقاعدة المستخلصة من هذا “ألا تشغلنا مواجهة الأعراض عن مواجهة حقيقة الأمراض” ، وهذه القاعدة كما أنها مفيدة نافعة للطبيب في تطبيبه وفنه؛ فهي مفيدة نافعة للإنسان في معالجة مشاكله وهمِّه.
والسؤال هل ما يحدث في مصر الآن؛ صراع بين الإسلام والكفر ؟ وبين التوحيد والشرك ؟ وبين الهدى والضلال ؟ أو حتى بين السنة والبدعة ؟
والجواب بناءًا على القاعدة التي مرَّ ذكرها: ليس الصراع الدائر في مصر الآن شيئًا من هذا كله؛ بل هو صراع سياسي يُستخدم فيه الدين سلاحًا ضمن أسلحة شتى ، هو صراع بين الإخوان وبين الدولة المصرية بماضيها وحاضرها وتطلُّعِهَا إلى مستقبلها، هو بوضوح صراع يخوضه الإخوان المسلمون وأشياعهم مع الدولة المصرية لأجل إسقاطها، فإذا سقطت كانوا الدولة البديلة ، أو على أسوأ تقدير: الدولة الموازية، إذًا هي حرب بالوكالة مع الدولة المصرية، والإخوان وأشياعهم في هذه الحرب وكلاء دول خارجية أجنبية وعربية؛ تريد إسقاط الدولة المصرية وتفكيكها وطمس تاريخها وهويتها؛ لتصبح دويلات في مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ لا دولةً رائدة في المشروع الإسلامي كما يعتقد المغفلون والمغرضون .
إذًا الإخوان المسلمون جزء من المخطط الصهيوصليبي لتفكيك المنطقة وإعادة ترتيبها ؛ بل هم رأس الحربة في ذلك المخطط الملعون ، لقد اعتقد الإخوان أنهم أذكى من اليهود والصليبيين الذين يستخدمونهم ، وأنهم متى وصلوا إلى السلطة في البلاد المتفق على وصولهم إلى السلطة فيها ؛ صنعوا ما يريدون هم لا ما يريده منهم المستخدمون ، والأخيرون يعجبون من سذاجتهم ويسخرون.
لقد اعتقد الإخوان أنهم عندما يصلون إلى السلطة سيفعلون ما يشتهون ، ويصنعون ما يحبون، وغاب عنهم أنها ستكون سلطة بلا سلطان ، ومملكة بلا ملك ، وجسدًا بلا حركة ولا حياة ، لقد خان الإخوان وطنهم ودينهم بتحالفهم مع اليهود والصليبيين الذين استخدموهم ضد أوطانهم لإحداث الفوضى الخلَّاقة كما يزعمون ، ولتفكيك الدول الإسلامية العربية وتفكيك جيوشها أو إضعافها وإنهاكها .

استماع

حكم الإخوان .. دروس وعبر

فَإِنَّ أَخَطَرَ مَا يُصِيبُ أُمَّةً بَعْدَ تَحَوُّلٍ مُجْتَمَعِيٍ هَائِلٍ، وَتَغْيِيْرٍ سِياسِيٍ شَامِلٍ؛ أَنَ تُكِبَّ عَلَى التَّشَفِّي وَالشَّمَاتَةِ وَالْاِنْتِقامِ. إِنَّ رُوْحَ الْاِنْتِقامِ وَالشَّمَاتَةِ رُوْحٌ نَجِسَةٌ، لَا تَسْكُنُ إلّا الْخَرَائِبَ، وَلَا تَنْعَبُ إلّا عَلَى الْأَطْلاَلِ. وَحَرِيٌّ بِمُجْتَمَعٍ يَتَعَثَّرُ فِيْ أَذيَالِ مُعَاْنَاْتِهِ؛ أَنْ يُرَكِّزَ عَلَى سَلاَمَةِ خَطْوِهِ وَاْسْتِقَاْمَةِ خُطْوَاتِهِ.
إِنَّ رُوْحَ التَّسَامُحِ والتَّغَافُرِ وَالصَّفْحِ؛ رُوْحٌ طَيِّبَةٌ طَهُوْرٌ، وَمَاْ أَحَوْجَ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ إِلَىْ غَسْلِ أوْزَارِهِمْ بِضِيَائِهَا، وَإِزَالَةِ أدْرَانِهِمْ بِطِيْبِهَا وَنُوْرِهَا.
وَهَذَا دَرْسٌ مِنْ تَجْرِبَةِ الْإِخْوَانِ الْفاشِلَةِ؛ لاَئِحَةٌ مَعَالِمُهُ، لَا تُخْطِئُهَا عَيْنٌ بَاصِرَةٌ، وَلَا مُقْلَةٌ مُبْصِرَةٌ، إلّاْ قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ كُهُوْفٍ كَالْقُبُورِ، إِلَى الْبَراْحِ وَإِلَىْ النُّوْرِ، فَأَبَوْاْ إلّا أَنْ يَصْحَبُوا ظُلْمَةَ الْكُهُوفِ، وَيَحْيَوْا فِي ضِيْقِ الْقُبُورِ.
مَا أَضْيَعَ أمَّةً يَحْذُو بِرَكْبِ دَعْوَتِهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْخَيْرِ: الْمُبْتَدِعُونَ الْجَاهِلُونَ، الْمُتَعَالِمُوْنَ الْمُغَامِرُونَ.
لَقَدْ كَانَ أكْبَرَ أَخْطَائِهِمْ، بَلْ كُبْرَى خَطَايَاهُمْ؛ أَنْ صَرَفُوا جُهْدَهُمْ، وَوَفَّرُوا طَاقَتَهُمْ، عَلَى التَّمْكِيْنِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أَنَّهُ أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والاسْتِخْلَافِ الَّذِي آَمَنُوا أَنَّهُ قَدْ سِيْقَ إِلَيهِمْ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِخْوَانُ لَحْظَةً لِيَتَدَبَّرُوا: أَهُمُ الْمَعْنِيِّونَ بِالتَّمْكِينِ حَقًّـًا؟ وَهَلْ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ شُرُوطُهُ صِدْقَــًا؟.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [النور: 55].
حَسِبَ الْإِخْوَانُ أَنَّهُمْ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الطَّهُورِ، دَاخِلُونَ فِي هَذَا الْوَعْدِ الْكَرِيمِ، وَتَعَامَوْا عَنْ الْمَعْنَى اللَّطِيْفِ فِي الْنَّظْمِ الشَّرِيفِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ اَبْتَدْعَوا مِنْكُمْ، ولا: الَّذِينَ حَالَفُوا أهْلَ الشِّرْكِ مِنْكُمْ، وَلَا: الَّذِينَ وَالَوْا الْأَعْدَاءَ وَعَادَوْا الْأَوْلِيَاءَ مِنْكُمْ؛ وَإِنَّمَا قَالَ:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ “.
وَاللهُ جَلَّ وَعَلا لَمْ يَقُلْ: وَعَمِلُوا الطَّالِحَاتِ، وَلَا: وَعَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، وَلَا وَعَمِلُوا الْمُوبِقَاتِ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: “وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”.
وَاللهُ تَعَالَى قَالَ: “يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”، و”شَيْئًا”: نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي؛ فَهِي تُفِيدُ الْعُمُومَ.
فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُرُوطِ التَّمْكِينِ هَذِهِ !؟
مَثَلُ الْإِخْوَانِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَـاً ::: شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
لَقَدْ كُنْتُ أُبْصِرُ وَأَسْمَعُ كُلَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّمْكِينِ الْمَزْعُومِ، وَكُنْتُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ أَنَّهُمْ لَنْ يُمْكَّنُوا؛ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ أهْلَ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَمَنْ عَرَفَ صَنِيْعَ وَزِيْرِ الْأَوْقَافِ الْإِخْوَانِيِّ وَهُوَ يَنْفِي أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الْكَفَاءةِ وَالصِّدْقِ، وَيَأْتِي بِآَخَرِيْنَ مِنْ أهْلِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْجَهْلِ؛ عَرَفَ تَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى? وَجْهِهِ أَهْدَى? أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [الملك:22]، وَتَأْوِيْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: “ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5] ، وَعَلِمَ كَيْفَ يَكُونُ عَبَثُ الْعَابِثِينَ، وَتَخْلِيطُ الْمُخَبَّلِينَ.
لَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ ذَلِكَ؛ فَأَمُرُّ بِهِ مُرُورَ الْكِرَامِ الْمُعْرِضِيْنَ عَن اللَّغْوِ، وَفِي أُذُنَيَّ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
وَكَانَتْ كَعَنْزِ السَّوْءِ قَامَتْ لِحَتْفِهَا ::: إِلَى مُدْيَةٍ تَحْتَ الثَّرَى تَسْتَثِيرُهَا
لَقَدْ كَانَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَانْقَضَتْ بِهِ حِكْمَةُ اللهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ؛ أَنْ ابْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامَـًا كَامِلَاً، بَلْ حَوْلًا أَكْتَعَـًا؛ بِرُؤْيَةِ وُجُوْهِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ -مِنْ الْإِخْوَانِ وَأَشْيَاعِهِمْ-؛ بِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيهَا مِنْ سَوَادِ الْبِدْعَةِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَذُلِّ الْمَعْصِيَةِ.
وَاُبْتُلِيَ الْمِصْرِيُّونَ عَامًا أَكْتَعَـًا بِسَمَاعِ نَعِيبِهِمْ وَتَخَارِيْفِهِمْ؛ فِي مَكْرِهِمْ وَمُخَادَعَاتِهِمْ، وَأَمَّا الْحَوْلُ الْأَكْتَعُ: فَهُوَ حَوْلُ الذَّلْفَاءِ فِي طُولِهِ وَامْتِدَادِهِ، دُونَ مَبَاهِجِهِ وَلَذَّاتِهِ.
يــا لَيْتَنِي كُنْـتُ صَبِيَّــاً مُـــرْضَــعَا :: تَحْمِلُنِي الذَّلْفَــــــــاءُ حَــــوْلاً أكْتَعَا
إذا بَكَيْـــــــتُ قَبَّـــــــــلَتْنِي أرْبَــــــــعَا :: إذًا ظَلِلْتُ الْعُمْرَ أبْكِي أجْمَعَا
إِنَّ أَخَطَرَ مَا يُوَاجِهُ مُجْتَمَعَاً بَعْدَ التَّحَوُّلَاتِ الْحَادَّةِ، وَالْاِضْطِرابَاتِ الْعَنِيفَةِ؛ مَا يُسَمِّيهِ الْبَاحِثُونَ بِالرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ. وَالرُّومانْسِيَّةُ الثَّوْرِيَّةُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَعِيْشُهَا الْجَمَاهِيرُ وَقْتَاً يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ، تَعْتَقِدُ فِيْهِ الْخَيَالَ حَقِيقَةً، وَالْمِثَالَ وَاقِعًا.
فَإِذَا وَسَّدَتْ الْأُمَّةُ أَمْرَهَا إِلَى أحَدِ أَبْنَاْئِهَا؛ طَالَبْتْهُ الْجَمَاهِيرُ أَنْ يَجْعَلَ الْخَيَالَ شَاخِصًا، وَالْبَعيدَ دَانِيًا، وَالْمُسْتَحِيلَ مُمْكِنًا. وَحَاسَبَتْهُ حِسَابًا عَسِيرَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ تَحْقِيقِ مَا لَا يُسْتَطَاعُ.
إِنَّ النَّاسَ لَا يَنْقِمُوْنَ غَالِبًا إِلَّا وَاقِعَاً خَشِنَاً، تَبْرُزُ أَنْيَابُ مُعَانَاتِهِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ أَغْوَالِ، وَيَسِيرُ النَّاسُ فِيْهِ عَلَى مِثْلِ حَدِّ الْمُوْسَى تَأَلُّمَاً وَصُرَاخَاً.
وَعَلَى مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ يَفْزَعُونَ عَنْ وَاقِعِهِمْ إِلَى الرُّومانْسِيَّةِ الثَّوْرِيَّةِ؛ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الْوَاقِعِيَّةِ الْحَياتِيَّةِ؛ بِرِفْقٍ وَحُنُوٍ، وَصَبْرٍ وَإِخْلاَصٍ، وَمُصَارَحَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ، وَإلّا يَفْعَلْ؛ يَزْدَدْ سَخَطُهُمْ، وَلَا تُؤْمَنْ نِقْمَتُهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قُومَاً لَا يَفْقَهُونَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوْا بِذَلِكَ؛ بَلْ هُمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ.
وَقَدْ كُنْتُ نَبَّهْتُ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- إِلَيْهِ، فِي مَعْرِضِ نُصْحِهِمْ، بِتَقْويمِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ انْحِرافِهِمْ، عَامَ ألْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ، وَهُمْ يُنَافِسُونَ عَلَى مَقَاعَدِ الْبَرْلَمانِ حِينَ ذَاكَ، وَقَدْ جَعَلُوا أَصْلَ دِعَايَتِهِمْ: الْإِسْلامُ هُوَ الْحَلُّ.
وَقَدْ كُنْتُ تَسَائَلْتُ مَا مَعْنَى هَذَا الشِّعَارِ فِي السِّياقِ الَّذِي وَرَدَ فِيْهِ؟!
أَلَا إِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلامَ هُوَ الْحَلُّ لِكُلِّ مُشْكِلٍ، وَالْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مَأْزِقٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي سِيَاقِ الدِّعَايَةِ الانْتِخابِيَّةِ الإِخْوَانِيَّةِ؛ يَنْصَرِفُ إِلَى حَلِّ مَشَاكِلِ النَّاسِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمُعَالَجَةِ هُمُوْمِهِمُ الْحَياتِيَّةِ.
وَقُلْتُ وَقْتَهَا: لَوْ اخْتَارَكُمْ النَّاسُ لِأَجْلِ هَذَا الشِّعَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى؛ فَسَيُطَالِبُوْنَكُمْ غَدَاةَ تَوَلِّيْكُمْ الْحُكْمَ بِحَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَرَفْعِ دُخُولِهِمْ، وَتَحْسِيْنِ حَيَاتِهِمْ، وَسَيُطَالِبُكُمْ كُلٌّ بِبَيْتٍ أَنِيْقٍ، وَسَيَّارَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، وَمَدَارِسَ لِلْأَبْنَاءِ مُتَطَوِّرَةٍ، وَدَخْلٍ لِلْأُسْرَةِ يَجْنَحُ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ.
فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَتَقُوْلُوْنَ لِلْنَّاسِ فِيْهِ: “لِيَرْبِطْ كُلٌّ مِنْكُمْ عِنْدَ الْجُوعِ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا، وَلَكُمْ فِي الرَّسُولِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقَدْ كَانَ يَرْبِطُ حَجَرَيْنِ؛ جُوْعُوا تَصِحُّوا، وَعَلَيكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسُّلْوَانِ”.
وَلَنْ يَقْبَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَسَيَكْفُرُوْنَ بِشِعَارِكُمْ، وَسَيَكْتَشِفُوْنَ كَذِبَكُمْ وَزَيْفَكُمْ؛ وَذَلِكَ مَا كَانَ.
ثُمَّ جَاءَتْ لَحْظَةٌ فَارِقَةٌ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، كَانَتْ مِصْرُ فِيْهَا –بِسَبَبِهِمْ- مِنْ الْارْتِبَاكِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ التَّخَالُفِ وَالتَّضَارُبِ فِي نِهَايَةٍ، وَتَصَدَّرَ الْإِخْوَانُ الصُّفُوْفَ حَاكِمِينَ، فَهَوَوْا إِلَى الْقَاعِ مُسْرِعِيْنَ، وَتَسَارَعُوْا إِلَى الْإخْفَاقِ مُهْطِعِيْنَ، وَهُمْ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ يَحْكُمُوْنَ بَاسِمِ الدِّيْنِ.
وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ، أَنَّ بَعْضَ قَادَتِهِمْ مُدْرَجٌ فِي قَائِمَةِ أَغْنَى أَغْنِيَاءِ الْعَالَمِ؛ فَكَيْفَ لَمْ يَجُدْ عَلَى بَلَدِهِ وَأَهَلِهِ بِنِصْفِ ثَرْوَتِهِ، بِثُلُثِهَا، بِرُبُعِهَا، بِخُمْسِهَا، بِعُشْرِهَا؟!، بَلْ كَيْفَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ اِقْتِصَادِ بَلَدِهِ، وَمَا لِأَهْلِ وَطَنِهِ، الَّذِينَ أَحْسَنُوْا الظَّنَّ بِهِ وَبِرفاقِهِ، وَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى سُدَّةِ الْحُكْمِ فَرَاحُوا يَحْكُمُونَ جَمَاعَةً، لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمَاعَةِ أفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ الْفَرْدِ، بِسَبْعِ وَعِشْرِيْنِ دَرَجَةٍ.
حَكَمُوْا جَمَاعَةً؛ لِتَتَنَزَّلَ الْبَرَكَةُ، وَطُوْبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ مَهَامِّ مَنْصِبِهِ -وَلَوْ كَانَ رِئَاسَةً- عَلَى أَخِيْهِ -وَلَوْ كَانَ أحْمَقَ جَاهِلَاً-. وَلَا بَأْسَ؛ فَصَدَقَةٌ قَلِيلَةٌ، تَمْنَعُ بَلَاوِيَ كَثِيرَةً.
إِنَّ بَاعَةَ الْبَصَلِ يُنَادُوْنَ عَلَيْهِ فِي أَسْواقِنَا بِالرُّمَّانِ، وَبَاعَةَ التِّرْمِسِ يَصِيْحُوْنَ عَلَيْهِ يَا لَوْزَ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْطَلِيَ هَذَا الدَّلالُ عَلَى أحَدٍ. وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ، وَهُوَ تَعَالَى يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَضَعُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَهُوَ تَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمْرُ أَمْرُنا :: إذا نَحنُ مِنْهُمْ سُوْقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنِيَــــــــا لَا يَــــــدُوْمُ نَعِيْمُهَا :: تَقَـــــــلَّبُ تَاْرَاْتٍ بِنَـــا وَتَصـــــــــــــَرَّفُ
إِنَّ أَيَّ مُجْتَمَعٍ تَهِيْ فِيْهِ عُرَى الْأخْلَاقِ، وَتَضْعُفُ فِيْهِ مُقَوِّمَاتُ النُّفُوسِ الْكَبِيرَةِ؛ هَيْهَاتَ أَنْ يُوَفَّقَ إِلَى تَأْسِيْسِ دَوْلَةٍ مَكِيْنَةٍ، أَوْ إقامَةِ حُكْمٍ رَشِيْدٍ.
إِنَّ النُّفُوسَ الدُّنْيا لَا يُمْكِنُهَا أَنَ تُقِيْمَ أَحْكَامَ الْعَلِيِّ الْأعْلَى، وَلَا تَسْتَطِيْعُ -وَهِيَ مُخْلِدَةٌ إِلَى الْأرْضِ- أَنْ تَسْتَجِيْبَ لِتَعَالِيْمِ الْوَحْيِ، أَوْ تَسْتَقِيْمَ مَعَ جَوِّهِ النَّقِيِّ الطَّهُورِ. وَالنُّفُوسُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِي أَهْوَائِهَا الصَّغِيْرَةِ؛ لَا تَفْقَهُ الدِّيْنَ، وَلَوْ فَقِهَتْهُ مَا أَصْلَحَتْ بِهِ شَيْئَاً، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَصْلُحَ هِيَ بِهِ.

فَيَا طَالِبَ الْعِلْمِ – بَارَكَ اللهُ فِيْكَ وَفِي عِلْمِكَ – اطْلُبْ الْعِلْمَ، وَاطْلُبْ الْعَمَلَ، وَادْعُ إِلَى اللهِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَلَا تَكُنْ خَرَّاجَاً وَلَّاجَاً فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَتَخْرُجَ مِنْ السَّعَةِ إِلَى الْقَوَالِبِ الضِّيقَةِ، فَالْإِسْلامُ كُلُّهُ لَكَ جَادَّةٌ وَمَنْهَجٌ، وَالْمُسْلِمُوْنَ جَمِيْعُهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ؛ وَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلَا طَائِفِيَّةَ وَلَا حِزْبِيَّةَ فِي الْإِسْلامِ.
أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَصَدَّعَ، فَتَكُونَ نَهَّابَا بَيْنَ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأحْزَابِ الْغَالِيَةِ، تَعْقُدُ سُلْطَانَ الْوَلاَءِ وَالْبَرَاءِ عَلَيْهَا.
فَكُنْ طَالِبَ عِلْمٍ عَلَى الْجَادَّةِ؛ تَقْفُوْ الْأثَرَ، وَتَتَّبِعُ السُّنَنَ، تَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصيرَةٍ، عَارِفَاً لِأهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ.
فَإِنَّ الْحِزْبِيَّةَ: لَذَاْتُ مَسَارَاتٍ، وَإِنَّ الْقَوَالِبَ الْمُسْتَحْدَثَةَ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا السَّلَفُ؛ لَمِنْ أَعْظَمِ الْعَوَائِقِ عَنْ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُؤَدِّى إِلَى التَّفْرِيْقِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ فَكَمْ أَوَهَنَتْ حَبْلَ الْإِخَاءِ فى الدِّيْنِ، وَغَشِيَتْ الْمُسْلِمِيْنَ بِسَبَبِهَا الْغَوَاشِي.
وانْشِطَاْرُ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ وَالْفِرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لاَبُدَّ مِنْهُ، هِيَ ضَرْبَةُ لاَزِمٍ عَلَى الْأحْزَابِ وَالْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لاَبُدَّ مِنْ انْشِطَارِهَا، فَتَنْشَطِرُ الْجَمَاعَةُ -أَوْ الفِرْقَةُ، أَوْ الْحِزْبُ- إِلَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَطِرُ كُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
كَانَ ذَلِكَ قَدِيْمَاً فِي الْأحْزَابِ الَّتِي نَشَأَتْ، وَالْفِرَقِ الَّتِي نَجَمَتْ؛ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلِيَّةِ، والْمُرْجِئِيَّةِ، إِلَى غَيْرِ أُولَئِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ الضَّالَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْبَاطِلَةِ، فَانْشَقُّوْا وَتَمَزَّقُوْا، وَكُلٌّ يُكَفِّرُ كُلَّاً .
وَكَذَا الشَّأْنُ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ بَصَرٌ أَبْصَرَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بَصِيْرَةٌ عَلِمَ، وَأَمَّا مَنْ طَمَسَ اللهُ عَيْنَ بَصِيْرَتِهِ، وَجَعَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ غِشَاوَةً؛ فَلَنْ يَرَى الْحَقَائِقَ اللّاَئِحَةَ، وَلَنْ يُبْصِرَ الدَّلائِلَ الْوَاضِحَةَ.
فَاحْذَرْ -رَحِمَكَ اللهُ- فِرَقَاً –أحْزَابًا، جَمَاعَاتٍ- طَافَ طَائِفُهَا، وَنَجَمَ بِالشَّرِّ نَاجِمُهَا، فَمَا هِيَ إلّا كَالْمَيَازِيْبِ تَجْمَعُ الْمَاءَ كَدَرَاً، وَتُفَرِّقُةُ هَدَرَاً؛ إلّا مَنْ رَحِمَهُ رَبُّكَ فَصَارَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإمَامُ – رَحِمَهُ اللهُ – عِنْدَ عَلاَمَةِ أَهْلِ الْعُبُوْدِيَّةِ:
“الْعَلاَمَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْسَبُوا إِلَى اِسْمٍ، لَمْ يُشْتَهِرُوْا بَاسِمٍ يُعْرَفُوْنَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَسْمَاْءِ الَّتِي صَارَتْ أَعْلاَمًا لِأهْلِ الطَّرِيقِ، وَأَيْضَاً فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَقَيَّدُوْا بِعَمَلٍ وَاحِدٍ يَجْرِي عَلَيهِمْ اسْمُهُ، فَيُعْرَفُوْنَ بِهِ دُوْنَ غَيْرِه مِنْ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا آفَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَأَمَّا الْعُبُودِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا بَاسْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَعَانِي أَسْمَائِهَا، فَإِنَّهُ مُجِيْبٌ لِدَاعِيْهَا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهَا، فَلَهُ مَعَ كُلِّ أهْلِ عُبُودِيَّةٍ نَصِيْبٌ، يَضْرِبُ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَسْمٍ وَلَا إشارَةٍ، وَلَا اسْمٍ وَلَا زِيٍّ، وَلَا طَرِيْقٍ وَضْعِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ؛ بَلْ إِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْخِهِ قَالَ: “الرَّسُولَ”، وَعَنْ طَرِيْقِهِ قَالَ: “الْاِتِّبَاعَ”، وَعَنْ خِرْقَتِهِ قَالَ: “لِبَاسُ التَّقْوَى”، وَعَنْ مَذْهَبِهِ قَالَ: “تَحْكِيْمُ السُّنَّةِ”، وَعَنْ رِبَاطِهِ قَالَ: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.
وَهَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا مَسْتُوْرِينَ عَنْ النَّاسِ بِأَسْبَابِهِمْ، غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِمْ، وَلَا مُتَمَيِّزِينَ بِرَسْمٍ دُوْنَ النَّاسِ، وَلَا مُنْتَسِبِيْنَ إِلَى اسْمِ طَرِيْقٍ أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ شَيْخٍ أَوْ زِيٍّ؛ كَانُوْا بِمَنْزِلَةِ الذَّخَائِرِ الْمَخْبُوْئَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَنْ الآَفَاْتِ؛ فَإِنَّ الآَفَاْتِ كُلَّهَا تَحْتَ الرُّسُوْمِ وَالتَّقَيُّدِ بِهَا، وَلُزُومِ الطُّرُقِ الْاِصْطِلَاحِيَّةِ، وَالْأَوْضَاعِ الْمُتَدَاوَلَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قَطَعَتْ أَكْثَرَ الْخَلْقِ عَنْ اللهِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَهْلَهَا هُمْ الْمَعْرُوفُونَ بِالطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّيْرِ إِلَى اللهِ”.
وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْأئِمَّةِ عَنْ السَّنَةِ فَقَالَ : “مَا لَا اسْمَ لَهُ سِوَى السُّنَّةِ”. يَعْنِي أَنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَيْسَ لَهُمْ اسْمٌ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ سِوَى السُّنَّةِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِهَا يَارَبَّ الْعَالَمَيْنَ.
أهْلُ الْإِسْلامِ لَيْسَ لَهُمْ رَسْمٌ سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ فِي الدَّعْوَةِ إلَيْهِمَا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَهُمْ كَمَا وَصْفَهُمْ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي” وَهُمْ الَّذِيْنَ سَمَّاهُمْ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : الْجَمَاعَةَ، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ: هُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُوْرَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ الْأَمِيْنُ، وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ؛ كَمَا وَصَفَهُمْ الرَّسُولُ الْكَرِيْمُ، وَهُمْ الْمُنْتَسِبُوْنَ لِسُنَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَهُمْ الرّاغِبُوْنَ فِيْهَا دُوْنَمًا سِوَاهَا مِنْ الْأَهْوَاءِ لَمَّا مَالَتْ بِأهْلِهَا؛ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – : “مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي”.
وَلَمَّا تَشَعَّبْتْ بِالْأُمَّةِ الْأَهْوَاءُ صَارُوا هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ، وَهُمْ الَّذِيْنَ يُمَثِّلُوْنَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ، وَهُمْ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَهُمْ مَنْ تَبِعَ أثَرَهُمْ؛ وَهُمْ الَّذِيْنَ يَسِيْرُونَ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ سَلَفِهِمْ الصَّالِحِيْنَ؛ لِهَذَا فَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى التَّمَيُّزِ بِلَقَبٍ، وَلَا رَسْمٍ، وَلَا اسْمٍ، وَلَا شِعَارٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَمامُ الْبُرُوْزِ وَالظُّهُوْرِ لِهَذِهِ الْأَلْقَابِ الشَّرِيفَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ؛ إلّا حِيْنَ دَبَّتْ فى الْمُسْلِمِيْنَ الْفُرْقَةُ، وَتَعَدَّدْتْ عَلَى جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ الْفِرَقُ، وَتَكَاثَرَتْ الْأَهْوَاءُ، وَخَلَفَتْ الْخُلُوْفُ؛ فَبَرَزَتْ هَذِهِ الْأَلْقَابُ الشَّرِيْفَةُ لِلْتَمَيُّزِ عَنْ مَعَالِمِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَلْقَابٌ لَا تَخْتَصُّ بِرَسْمٍ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، زِيَادَةً أَوْ نَقْصَاً؛ وَإِنَّمَا يُمَثِّلُونَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْحالِ الْاِمْتِدَادَ الطَبْعِيِّ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَاْبُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِي الشَّكْلِ وَالْمَضْمُوْنِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ.
إِنَّ أَيَّ فِرْقَةٍ -إِنَّ أَيَّ حِزْبٍ، إِنَّ أَيَّ جَمَاعَةِ- تَعِيْشُ تَحْتَ مَظَلَّةِ الْإِسْلَامِ بِاسْمٍ أَوْ رَسْمٍ خَاصٍّ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَإِنَّمَا هِي مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِيْنَ، وَتَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ مِنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيْمِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِيْنَ، بِقَدْرِ مَا لَدَيْهَا، أَوْ مَا تَفْتَقِدُهُ مِنْ شَرِيْعَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيْمِ.
وَعَلَيْهِ؛ فَاَلْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، لِمَ تُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ – رِضْوانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ -؟!
وَالنَّجَاةُ كُلُّ النَّجَاةِ فِي أَنْ تَكُوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ الْمُؤَيَّدُوْنَ، وَهُمْ الْمَنْصُوْرُوْنَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ -.
إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ فِي أَمَسِّ الْحاجَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
إِنَّ الْأُمَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ أَمْرَاضَهَا، وَلَا أَنْ تُشْفَي عِلَلُهَا، وَلَا أَنْ تَبْرَأَ أسْقَامُهَا؛ إلّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، إلّا بِأَنْ تَكَوْنَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمَأْمُونُ، وَمَا كَانَ عَلَيه أَصْحَابُهُ – رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجَمْعَيْنَ -.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ الْغُمَّةَ، وَأَنْ يُزِيْلَ الْمُلِمَّةَ، وَأَنْ يَجْمَعَ الْجَمِيْعَ عَلَى طَاعَتِهِ؛ إِنَّه تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْئٍ قَدِيْرٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَأَزْواجِهِ وَآَلِهِ أَجَمْعَيْنَ.

من الذي خان: الجيش أم الإخوان؟

فإن الإخوان المسلمين ، واتباعهم واشياعهم من الجن والإنس يشيعون القالةَ في ربوع مصر ، أنه يجب أن يُقاطَع الجيش ، وأن يقاطَع كل من يحسن الظن به ، وكل من دعا له ، أو أظهر حرصا على تماسكه ووحدته ، ويدعو الإخوان وأشياعهم في صلواتهم ، على جيش مصر بالتقسيم والانشقاق ، بل بالاضمحلال والفناء ، في الوقت الذي لا يتعرضون فيه لجيش اليهود ، ولا لجيوش غيرهم من الصليبيين والوثنيين والملحدين ، والحجة عند الإخوان وأشياعهم هي أن الجيش قد خان ، وهم تعقد البلاهةُ ألسنتَهم إذا سألْتَهُم: ولماذا لم تُخَوِّنوا الجيش عندما انحاز إلى المتظاهرين في أحداث الخامس والعشرين من يناير ، وقام بحمايتهم ؛ مع أن الجيش مان أعظم ولائًا وأكثر تقديرًا للرئيس الأسبق المتنحي حسني مبارك ، منه للرئيس السابق المخلوع محمد مرسي .
ويؤازر الإخوانَ المسلمين وأشياعَهم من التكفيريين بعضُ الحمقى ممن يدَّعون انتمائهم إلى منهج السلف ، ويتمسَّحون ببعض رموزه وعلمائه ، ليهدموا منهج السلف على منتحليه ، والقائمين بالدعوة إليه ، والمتمسكين بحبله ، ومن أولئك المؤازرين للإخوان والتكفيريين ؛ ذلك الأحيمق الجهول ، الذي يقول : نحن مع جيشنا ما كان مع شرعنا ، فلم يحدد معنى أن يكون مع الجيش ، وأن يكون ضده ، وكيف يكون ضده وكيف يكون معه ، ولم يحدد معنى أن يكون الجيشُ مع الشرع ، وأن يكون ضد الشرع ، ما معنى أن يكون الجيش مع الشرع ، أو أن يكون الجيش ضد الشرع ، هذا الكلام الذي يقول ؛ خطيرُ الدلالة ، واضح الاتجاه ، والرجل تدور في دماه الحزبيَّةُ ، وبقايا التكفير والخروج ، ولقد كان إلى أحداث الخامس والعشرين حزبيًا مع الحزبيين ، تعرف ذلك حتى العجائزُ في الدور ، إذ لا يُشاهَدُ إلا في قنوات الحزبيين ، وما عُرِف إلا من خلالها ، ولقد ظَلَّ أربع سنوات في قناة معروف مالكها ، بأنه لا يقبل معه فيها إلا من كان حذاءً في قدمه ، وكان الأحيمق الجهول دائم الظهور مع القطبيين والإخوانيين موصول الثناء لهم ، ولمالك القناة وليِّ نعمته ، وما غادرَ القناةَ إلا بخلاف حاد ، قام مدير القناة الحقيقي -وهو أخ مالكها المذكور- قام بطرده شر طِرْدَة ، وشيَّعَه بجمل من السباب المنتقى ، وربما ببضعة شلاليت .
أراد الأحيمق الجهول أن يثأر لنفسه ، فادعى السلفيةَ من بعد الحزبية ، وهو حزبي مستتر ، ولكنه أراد الانتقامَ من طارديه ومهينيه ، فكان وإياهم كالذي أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ، ولا على نفسه أبقى .
راح المسكينُ يدَّعي العلم ويشرح المتون بزعمه ، وما تصدى له على سبيل المثال: “بائية الصنعاني” فراح بزعمه يشرحها ، فأخطأ في قراءة المتن -وهو أربعة وثلاثون بيتًا- خمسين خطأً ، وهو مع ذلك يشرح ، يشرح ماذا؟! أيشرح خطأه؟ أم صواب الماتن؟ لك الله يا صنعاني!
والأحيمق الجهول يتكلم دائمًا في غير فنه ، لكن ما هو فنَّه؟ لقد كان في الرياض في مسجد من مساجدها صاحب حلقة صبيان ، يُقرئهم القرآن ، فغرَّت معلمَ الصبيان هذا نفسُه ؛ فسوَّلَت له أنه قد صار من “المعلمين” ، وكل “معلم” له “صِبيَة” ، فجمع صبية صار لهم “معلمًا” وراح ينفث فيهم جَهلَه ، وكان يُعديهم ويعدونه -وما زالوا- بِمُنْحَطِّ الأخلاق وسافل الخصال .
والأحيمق الجهول يدَّعي أنه من تلاميذ العلامة العثيمين ، فيُصَدِّقُه كل من يحسب الشحم فيمن شحمُه ورَمُ ، وكل من يعتقد أن كل مُدَوَّرٍ رغيف ، وكل بيضاء شحمة ، والحقيقة ؛ أنه كان معلم صبيانٍ في مسجدٍ من مساجد الرياض ، وكان العلامة ابن عثيمين يتردد على الرياض كل عام مرة أو مرتين ، ليقضي مصالح له ، فكان لا يُخلي السَّفْرَةَ -التي لا تزيد على يومين أو ثلاثة- من بعض الدروس في بعض المساجد ، فيشرح فيها ما يناسب العوام والمبتدئين ، كالأصول الثلاثة وغيرها ، شرحًا مُجملاً يناسب قِصَرَ مدة الزيارة ، ثم يمضي راشدًا .
كان صاحبُنا هذا غير حريص على شهود تلك المجالس -كما شهد بذلك رفاقُه وعارفوه- ولكنه ربما حضر بعضها ، ومن هنا حُقَّ له أن يدَّعي أنه من تلاميذ ابن عثيمين ، هكذا “خبط لزق” .
وهو في هذا يُذَكِّرُنا ببعض طلبة الحديث القًدامى ، من المدلسين ، كان أحدهم عبر بدرهم في زَوْرَقٍ إلى الضفة المقابلة من نهر عيسى مع بعض من يُحَدِّثُه ، ثم يقول عند الأداء : حدثنا فيما وراء النهر ، فيوهم بذلك رحلةً وطلباً .
شُغِل هذا الحزبيُّ بنفسه ، وشَغَل نفسه والمخدوعين فيه ، بمسألة هي : هل كان ما كان ، في سالف العصر والأوان ، من خلع رئيس الإخوان ؛ خروجًا أو لا !؟ وراح يتقيَّأُ أوجُهَاً ، وما درى المسكينُ أنه بحث هذه المسألة في وقت فتنة ، وبحثها في وقت الفتنة خروجٌ في نفسه ، ولله في خلقه شئون .
ويلحق بهذا الأحيمق آخرٌ من بابته وعلى شاكلته ، وهو طريد الشيخ مقبل – رحمه الله – ، وهذا الطريد ثقيلٌ سَمِج ، إذا جلس بجانبك مال شِقُّك الذي بجانبه من ثِقَلِه وسماجته ، يدِّعي المعرفةَ في علم الأصول ، في زمن صَدَق فيه ما قاله ابن سيرين – رحمه الله – فيما رواه ابن عبد البر في الجامع : ذهب العلم فلم يبقَ إلا غُبَّراتٌ في أوعية سوء ، وغُبَّرات جمع غُبَّر ، وهو بقيِّةُ الشيء وآخره ، وهذا الطريد يهذي بذكر مروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وأنه لم تكن هناك بيعة ، إلى آخر هذيانه ولكن ؛ لهذا الطريد ساعةٌ لم يَحِن حينُها بعدُ والله المستعان .
نعود للسؤال : من الذي خان ؟ ومن الذي يخون ؟ …

استماع

الحاكم والمحكوم والجماعة

فكل ما قلته بفضل الله تعالى وما أقوله بمنته ونعمته ، وما سأقوله إن شاء الله تعالى بحوله وقوته ؛  كل ذلك إنما هو منهج أهل السنة ، أو منهاج النبوة ، أو منهج السلف في العقيدة والعمل ؛ وقد بيَّنَتْهُ نصوص الكتاب والسنة ، وطبَّقَهُ في واقع الحياة الأئمة ، ومنهج أهل السنة في معاملة الحكام وولاة الأمور أن يُسمع لهم ويُطاع في غير معصية ؛ فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمروا به من معصية ، ويُسمع ويُطاع لهم فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تُنزَعُ يدٌ من طاعة في المعروف .
وقد صار الناس في مصر إلى رئيس أو حاكم أو ولي أمر ، والذي أعتقده ويعتقده أهل السنة هو ما دل عليه منهاج النبوة ؛ وهو أنه يجب السمع والطاعة له في المعروف ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمر به منها ، ويُسمع ويُطاع فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تنزع يد من طاعة ، ولا يحل الخروج عليه ، ولا منازعته في الأمر .
ومن الخروج عليه انتقاد سياساته ، والتشهير بطريقة إدارته ، والخوض في خصوصياته وسيرته ، وتناوله بما لا يليق ؛ في المجامع أو على رؤؤس المنابر والندوات ، أو في المحافل أو المسامرات ، ولا يُسقط ذلك مالَه من حق النصح له وإسداء النصيحة خالصة إليه ، على أن يكون النصح بطريقة السلف في نصح الحكام ؛ بأن يخلو به ، وأن يترفق في الكلام متأدبًا معه ، وأن يُبِيِّنَ له ما يريد من الحق والنصيحة بلطف ولين ، فإن لم يستطع أن يصل إليه فليوصل إليه ما شاء من النصح ، عن طريق من يصل إليه ، أو عن طريق مراسلته بينه وبينه ، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وقد أدَّى أمرؤٌ ما عليه .
ومن حق الحاكم على المحكومين أن يجتهدوا في الدعاء له بالصلاح والتوفيق والسداد ؛ لأن في صلاح الحاكم صلاحًا للبلاد والعباد ، وفي فساده هلاك الحرث والنسل وتدميغ البلاد وفساد العباد .
فهذا مجمل ما يجب علينا أهلَ السنة والجماعة للحاكم أو ولي الأمر ، وهو جزء من عقيدتنا التي وُرْثناها عن أئمة أهل السنة ، وهم ورثوها كابرًا عن كابر ؛ عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ورضي الله تعالى عنهم .
وهذا المجمل في معاملة الحكام قد فَصَّلْتُهُ في شرحي على “أصول السنة” للإمام أحمد ، وفي شرحي على “شرح السنة” للإمام البربهاري ، وعَرَّجتُ عليه في مواضعَ من “معارج القبول” و”أعلام السنة المنشورة” وكلاهما للعلامة الشيخ حافظ حَكَمِي ، وكذلك في شرح “الواسطية” ، وفي غيرها من كتب الاعتقاد على منهج السلف ، وكذلك ذَكَرْتُهُ مُفَصَّلَاً في “دعائم منهاج النبوة” فليَرْجِع إلى ذلك مَن شاء -غير مأمور- .
وهذا الذي ذكرْتُه من اعتقاد أهل السنة في معاملة الحكام ؛ هو ما أدين الله تعالى به ، ويدين اللهَ تعالى به معي إخواني من أهل السنة على منهاج النبوة ، لا يُرَغِّبُنَا فيه حبُّ حبيب ، ولا يُرَغِّبُنَا عنه بُغض بغيض ، وإنما يَحْمِلُنا عليه ويدفعنا إليه اعتقادنا ومنهجنا ، في المَنشَط والمَكْرَه ، والحبِّ والبغض على السواء .
ولم نخالف هذا المنهج -بحول الله وقوته- مع من كان يظلم ويستأثر ويجور ؛ فكيف بمن يَعِدُ بالعدل والقسط وتصحيح الأمور!؟
إن سلامة المجتمعات الإسلامية من التشرذم والاضمحلال لا تكون إلا باتباع منهاج النبوة ، والتزام منهج السلف ، وهو ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – .
… بعد تقرير عقيدة السلف فيما يجب على المحكوم للحاكم على الإجمال الذي مر تفصيله ، لا يدفع إليه حب حبيب ، ولا يصد عنه بغض بغيض ، فالمباديء ثابتة ، والقواعد راسخة ، والأشخاص تتغير ، والدول تتبدل ، وأهل السنة كالجبال الشامخة ، والأطواد الراسخة ، لا يحيدون عن الحق -بفضل ربهم وتثبيته- والله المستعان وعليه التُّكلان .
فيجب أن يُزال هنا التباسٌ عن بعض الناس في بعض الأمور:
أولًا: يجب أن نُفَرِّقَ تفريقًا حاسمًا بين السمع والطاعة في المعروف للرئيس المُنتخب ، والسمع والطاعة لجماعة الإخوان أو للحزب المنبثق عنه . فأما الرئيس المنتخب فله السمع والطاعة في المعروف كما مر ،  وأما الجماعة والحزب ؛ فليس لهما سمعٌ ولا طاعةٌ على أحد من المسلمين ؛ وإن كانت الجماعة تَفرض السمع والطاعة على من انتمى إليها منهجًا وتنظيمًا ؛ فهذا شأنُ من انتمى إليها ، ولا يعني هذا المسلمين في شيء ، وغايةَ ما تملكه الجماعة أن تكون جماعةً من المسلمين ، لا جماعة المسلمين ؛ فلا تَلزَمُ بيعتُها أحدًا ، ولا السمعُ والطاعة لها كذلك يَلزَمَان أحدًا .
…. فلا تخلط بين الأمرين واحذر أن يخدعوك ، فإنك إن بَيَّنْتَ الحقَّ ، ورَدَدْتَ الباطل ، وَزَيَّفْتَ البدعة ، وقرَّرْتَ السُّنَّة ؛ قالوا : كيف وأنتم تقولون بعدم جواز الخروج على الحكام! وهل خرجنا!؟ لا نخرج على الحاكم ولا بكلمة ، ولا نرى جواز الخروج عليه ولو بالكلمة ، لا على المنابر ، ولا في المجامع ، ولا في الصحف ، ولا في المجلات ، ولا في غير ذلك من السبل التي أحلها القومُ من بعد حُرْمَة ليصلوا بها إلى ما يريدون ، ثم عليها بعدُ ينقلبون ، وهم لا يستطيعون .
وكذلك فَعَلَ شيخ الإسلام – رحمه الله – مع الاتِّحَاديَّة الذين يقولون بوحدة الوجود ، ويقولون بالحلول ، وقد زّيَّف معتقدهم ، وبيَّنَ عُوارَهُ ونقصه ، ودلَّ على الكفر الكامن والزندقة الباطنة فيه ، مع أن بيبرس الجاشنكير كان حاكمًا زمنياً في وقته ، لا يخرج عليه بأي صورة من صور الخروج ، وبيبرس على عقيدة الاتحادية ، تبعًا لشيخه نصر المنبجي ، ومع ذلك زيَّفَ شيخُ الإسلام تلك العقيدة الباطلة ، والنِّحْلَة الفاسدة ، وردَّ على تلك الفرقة الضالة المنحرفة المتزندقة ، ولم يخرج على الحاكم المعتقِدِ معتقدَهم -أي معتقَد الحلولية . فينبغي عليك أن تُفَرِّق بين الأمرين ، والله يرعاك ، وبتثبيته وتأييده يتولاك ، وهو حسبي وحسبك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

استماع

يأكلون مع الذئب .. ويبكون مع الراعي !!

فهذا الملك ملك الروم لا يساوي عندي فلسين، ولو عُرض هذا الملك كله عليَّ بِشِسْعِ نعلي ما قَبِلت؛ فضلًا عن الحرص عليه أو التطلع إليه، لقد غسلت من الدنيا يدي وكبرت عليها أربعًا، وإذا كنت بِحَوْلِ الله وقوته لا أبيع آخرتي بالدنيا وما فيها؛ أفأبيع آخرتي بدنيا غيري!؟ مالكم كيف تحكمون وأين تذهبون!؟

لسنا هنا في مؤتمر انتخابي، ولا في مجمع حزبي، لسنا هنا لنمارس دعاية انتخابية ولا لنعرض لأمور حزبية، نحن هنا في مجلس علم وذِكْر ، وعبادة وشكر، وتَلَمُّسٍ لمواطن الصواب والسداد، وسعيٍ لتحصيل أسباب الهداية والرشاد.

والحقيقة الخالدة التي عمي عنها كثير من الخلق وتعامى عنها آخرون؛ -فتراهم ينظرون إليك ولكن لا يبصرون- هي أن الشريعة ليست نصوصًا ميتة، ولا رقومًا في قراطيس هامدة، فيكون تطبيقها باستبدال نصوص بنصوص، وحكم بحكم؛ بل الشريعة حياة زاخرة، وروح طاهرة عاملة، في القلوب والأرواح فاعلة، تقوم على عقيدة ثابتة راسخة، في قلوب موقنة مؤمنة بأن هذه النصوص الحيَّة هي أمر ذي الجلال ونهيه، وهي إرشاده وتوجيهه ووحيه، فإذا اجتمعت القلوب على توحيد ربها، وأُشْرِبَت حبه وتعظيمه والمذلة له واتباع وحيه؛ استقامت على أمره ونهيه، وسلَّمَت لشرعه كما آمنت لقدره.

“وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” ،  “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” ، ” أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” .
وإياك أن تظن أن تقوى الله هي الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات فقط؛ إن تقوى الله تدخل في كل شيء؛ فاتق الله في عبادة مولاك ولا تفرط فيها، واتق الله في إخوانك ولا تؤذي منهم أحدًا، واتق الله في نفسك لا تهمل في صحتها، ولا تتخلق بِسِوَى الأخلاق الفاضلة، واتق الله في وطنك لا تَجُرَّهُ إلى الفوضى، ولا تُهَيِّج الأحقاد بين أهله، ولا تُثِر الفتن بين أبناءه، اتق الله في وطنك لا تسلط عليه عدوًا ولا تَخُنْه .
……….ووقعة الخامس والعشرين من يناير (25 يناير) كأنما مُحِيَتْ ذواكرُهم ، وغُيَّبَتْ عقولهم ، وفُتِحَتْ على أخلاقهم ماسورةً من مواسير الصرف غير الصحي، فإلى الله المشتكى وحده.
خامسًا: جماعة الإخوان المسلمين بشهادة بعض أقطابها ممن أُقيل أو استقال؛ قد حادت وانحرفت كثيرًا أو قليلًا عن منهج مؤسسها؛ خاصة فيما يتعلق بالتربية وهذا ذائع شائع لا يُنكر، يعرفه من آتاه الله رب العالمين ذروًا من العقل وقدرًا من السمع ، فهو يعلم أن كثيرًا من القادة والمنظِّرين من الأثبات عند القوم، يقولون في ثورة ظاهرة وينشرون ذلك في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمنظورة، يُصَرِّحون أن الجماعة انحرفت قليلًا أو كثيرًا عن فكر الأستاذ البنا، هم الذين يقولون وهو الذين يعلنون .

استماع

جماعة الإخوان المسلمين

فإنه إذا كانت دعوةُ الساعين إلى الحكم دعوةَ دين وعقيدة ، فقد توجب على المحكومين الذين يختارون حاكميهم أن يعرفوا حقيقة دينِهم ، وحقيقة دعواهم . وذلك لأن ما سيحكم به أولئك الحاكمون بعدُ سيكون باسم الدين ، وعلى دعائم المِلَّة ، فتوجَّبَ على من يختارَ حاكمَه -كما هو المعمول به أخذًا من النظم الديموقراطية التي غَزَت العالم الإسلامي من العالم الغربي ، بفجوره وشركه وبُعده عن الدين الحق- ، إذا كان المحكومُ سيختار حاكمًا فقد توجَّب عليه أن يعرف حقيقةَ دعواه وَكُنْهَ دعوته ؛ إذا كان سيحكم باسم الله .
وهذا التقليد من أسس الاختيار الديموقراطي للحكام في المجتمع الغربي ، فإن الحاكم يكون مكشوفًا أمام المحكومين ظهرًا لبطن ، ولا تخفى من سيرته ربما منذ كان جنينٌ في بطن أمه إلى حين اختياره ، لا تخفى منه على منتخبينه خافية ، فإذا انتقل الأمر إلى المجتمع المسلم وصار الاختيار باسم الدين وباسم الإسلام ؛ فقد توجَّب على المحكومين أن يختاروا على حسَب عقيدة الحكام وعلى حسب دينهم فيما يعلنونه ويُظهرونه .
والإخوان المسلمون يقولون : إنهم يسعون للحكم لإقامة منهج الله في أرض الله على خلق الله ، هكذا يقولون ، فما حقيقة منهج الله عندهم؟!
منهج الله عندهم هو منهج الإخوان المسلمين ، وهو مباديء الإخوان المسلمين ، قال الشيخ البنا في رسائله -في الصفحة الثمانين بعد المائة- مخاطبًا الإخوانَ على أن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبَتَتْ أنه لا خير إلا في طريقكم ، ولا إنتاج إلى في خطتكم ، ولا صواب إلا فيما تعملون .
فهم يحتكرون الصواب ، فكل من خالفهم يكون مخطئًا -على أحسن تقدير- ، وخاطئًا على التقدير العام ، يكون مخطئًا من الخطأ ، ويكون خاطئًا من الخطيئة ،
ولقد كان يعتقد أن كمال الدعوة الإسلامية هو الكمال الذي تتضمنه دعوة الإخوان على فهم قائدهم ، وأن كل نقص في عقيدة الإخوان هو في الحقيقة نقص من الإسلام .
وقد راعى اعتبار عقيدة الإخوان رمزًا لهذا المنهج ، ثم قال كما في مذكراته -في الصفحة الرابعة والخمسين بعد المائتين- : ” وعلى كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج كله من الإسلام ، وأن كل نقص منه نقصٌ من الفكرة الإسلامية الصحيحة” .
بل أوجب في “الرسائل” -في الصفحة التسعين بعد الثلاثمئة- على الشباب أن يفهم الإسلامَ كما فهمه هو ، فأوجب في الرسائل في ذلك الموضع على الشباب أن يفهم الإسلام كما فهمه هو ، وقال في تفسير ركن الفهم ، الذي هو أحد أركان بيعته : “إنما أريدُ بالفهم ان توقن بأن فكرتنا إسلامية صحيحة ، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز” .
أن تفهم الإسلام كما أفهمه ! وهذا مرفوض ، وإنما نفهم الإسلامَ كما فهمه أصحاب الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – لأنهم هم الذين عاصروا نزول الوحي ، وهم الذين عاصروا وقائع التزيل ، وهم الذين عاصروا أسباب الورود ، وهم الذين كانوا مع الرسول في الحل والترحال ، وكانوا مع الرسول في الحرب والسلم ، والمَنْشَطِ والمَكْرَه ، فعرفوا الإسلام كما أنزله الله على رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – ..

استماع