ردوا اعتبار النصوص .. انفروا

“وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً”
سورة” النساء” الآية( 115)
بعد حمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبينا محمد وإخوانه وآله . أقول:

نظرت آسفاً كسيفاً كما نظر مثلي إلى حال بعض المسلمين، فوجدت منهم الساهين السادرين، ومنهم الغافلين الغارقين، ومنهم الخاطئين الخاطلين.

وقلّبت طرفي إلى جانب آخر، فهالني وكاد يصم آذاني : صرخاتُ حيارى شبهَ سكارى عن السبيل، أين السبيل؟! رفعوا عقيرتهم قائلين : محال أن يكون هذا الدين؟!!! :
جهل وتناقض!!
قـذف وتكفـير!!
تقتيل وتدمير !!
وفي الناحية الأخرى، رأيت ناشطين، عن ساعد الجد مشمرين، غير أنهم– وآسفاه- عزين !!! بين السبل ساعين وبعضهم لجهلهم راكضين، نهجها قاصدين، وحول شرعها طائفين،  عنه يصدرون، وعن شياطينها يتلقون ويتلقفون .

ونظرت فبصرت عاطلين عن الإدراك، معطلين للصفات ذاتِ الكمالات، يستجدون الناس تصديق أقوالِهم! يتوسلون رضا قبولِها!

والناس عنهم ما بين معرض ومشفق، وناصح ورافض، بل وزاجر .
وهم والحالة هذه ما بين صارخ وناطح .
مساكين حيارى !!
بين عز الطاعة خزايا !
وعن الحق عمايا !
وفي شرف العبودية عرايا .

ولم تسكن رحمتي، وتهدأُ رياحُ رأفتي، وينقطع عنهم ديمُ لطفي؛
إذ هالني وزلزل جوانبَ جوارحي ما رأيتُ – ويا سوأة ما رأيت –

رأيت مخابيل المتعلمين، مخانيث المتعالمين، عبدةَ عقولهم، عنها يصدرون، ومنها دون غيرها يقبلون
رأيتهم لوساوسها معظمين، ولشرعتها خاضعين! ولطرائقها الحائرة الجائرة سالكين مؤمنين، بل حامدين .

رأيتهم ساجدين لها من دون الله تعالى!!! قانتين لرجسها، مقدسين لنجسها، مسلمين لخبلها، موقنين بخبرها –  لا بل بخطلها .
لو رأيتَهم .. وهي تهيم بهم في ظلمات الظلم والتيه، بين أودية الردى ومهاوي الهوى وهم خلفها يلهثون ويزبدون، لرحمتهم .
ولو سمعتهم .. وهم ينعقون بأعجميتها، ويطنتنون برطانتها، وينتصرون لهمجيتها، لبغضتهم لجرأتهم .
وحمدت الله تعالى على الصيانة، والتمتع بسلوك سبيل المؤمنين الذي فيه سلامة العقول واستقامة الديانة .
وهم والحالة هذه معرضين عن الهدى والنور معارضين، وعن الحق الأبلج الأنور مجانبين، مخمورين في ظلمات معاقل هواهم، مترنحين منكبين في معشوق عقولهم، يتردون تارةً، ويترددون تارة أخرى .
فكم زرفت المقل عليهم رحمة، واضطربت الأفئدة عليهم رأفة .

فانقلبت عائداً بخاطري، متأبطاً ثقتي بالوعد الكريم الصادق عن الصادق بالنصرة والتمكين لهذا الدين، فتفتحت له جنبات قلبي، وارتقى إليه مدارج فكري
فرفعت طرفي إلى خالقي مناجيا، مستمطراً ديمَ الهداية مستجلبا، ورحت في ذلة وإنكسار لخالقي أدعو .. وأدعو .

وفي غمرات مناجاتي، وسباحات تضرعاتي، اصطدمت قدماي بدعوات كسيرة، على النفس ثقيلة، لوثت نعلي الحسن، وشوهت وضاءة وجهه الجميل .

فنظرت فوجدت ركاماً ورفاتا، وبقايا بلايا، من رمم ونتن مناهج الرفض الرافضة المرفوضة، متشابكةًً متداخلةً بسوءات خرافات التصوف المهتوكة

فكم حزن حزني لرؤيتها بقيحها تطفح، وبخبثها ومكرها وكذبها تظهر- على حين غفلة – في سباطاتٍ من فيافي وقفار مصرنا بعد قبور قرون .

إيه يا مصرنا الجريح .. أما آن أن تفيق؟ ما إن تلتئم جراحٌ إلا ويثخنُ جسدكَ الطاهرَ جروحٌ

لكن .. هيهات هيهات .. ففي أعضائك صلابة، وفي أبنائك صلادة، تأبى الانحرافَ، وتنشدُ الخيرَ، فلا ضير .
وبعد

تزاحم أسماعَنا بعد الفينة والأخرى دعواتٌ صائحاتٌ مناديةٌ – نداء غيرَ رشيد -بضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي و… ومع تداخلها لكثرتها لم أسمع دعوة مماثلة لإصلاح الفهم الديني مع شدة الحاجة إليه، وكون التعويل عليه، ومردّ ذاك إليه .

وعجبت، ولم يمتد بي العجب ويطول، حتى سنحت فرصة ولاحت في الأفق فرجة، فأقول :

اعلم – أرشدك الله لطاعته – أنه لا صلاح للخلق إلا في اتباع الوحي، والمقصود بالصلاح هنا الصلاح العام الشامل لكل مناحي الحياة، إذ الخلق خلق الله جلّ في علاه، والله تعالى خبير بخلقه، عليم سبحانه بما يصلحه، وهذا المعنى المشار إليه في قوله تعالى : ” ألا يعلم من خلق…” سورة “الملك” الآية(14)
وأرشدنا نبينا العظيم- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- إلى طريق الهداية القويم، بقوله في”الصحيح” : “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا …”الحديث “صحيح الجامع” للعلامة الألباني
ولناظر أن يلحظ معي الإيماءة في “لن” القاضية بنفي عموم الضلال في الحال والمآل عن المستمسك بالوحي المستسلم له، الحاكم بأن الهداية والإصلاح كامن فيه.
فهل من متضلع ؟!!!

إن هذا الشرود، والتنقل في المناهج المتنافرة كالقرود، مردّه إلى غياب الأصول السلفية السنية عن موائد البحوث العلمية، ومبارك الحِلَق الشرعية .
إن هذا الصدود الممدود، ناشئ عن فقدان أنام لمنهج السلف الصالح في باب التلقي، وهو منهج رشيد فريد تليد .

أيها المسلمون! عباد الله .. اسمعوا وعوا، إنه لا يَصلُح أخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولُها
أيها المسلمون! عباد الله .. عليكم بالتوحيد، إذ التوحيدُ طريق التوحيد، ولا توحيدَ إلا على التوحيد ، كما لا اجتماع إلا على السنة .
أيها المسلمون! عباد الله .. اعلموا أن السنة كسفينة نوح-عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أهلها ناجون، فالسنة .. السنة .
أيها المسلمون! عباد الله .. هلموا إلى الوحي المعصوم تعلماً وتعليماً أَقبِلوا وانهَلوا

ردوا اعتبار النصوص انفروا

ولكن وفق فهم سلف الأمة، وهذا القيد القوي القويم هو المشار إليه عاليه في قوله تعالى : “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً”سورة” النساء” الآية( 115) إنه سبيل المؤمنين، سبيل الناجين .

وفقكم الله تعالى وأعزكم ورفع أقدارنا وأقدراكم، ووفق اللهم ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه رضاك، وتقبلنا وإياهم في الصالحين .. أمين .

وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والحمد لله رب العالمين.

وكتب
الفقير إلى عفو مولاه
أبو عبد الله
محمد بن عبد الحميد حسونة
في: 22/5/1427هـ – 18/6/2006م

وفي أحداث الجزائر عبرة

فإن من أعجب الأمور فيما يوصف به العناد البغلي الذي لا يستقيم مع المنطق ولا يستقيم به منطق ، ما يمكن أن يجري عليه قول القائل :
أراد رجلٌ أن يغيظ امراته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ولا على نفسه أبقى ، وإنما هو لون من ألوان العناد لا يستقيم مع منطق ولا يستقيم به منطق ، وهو من المغالطات الكبيرة التي تأخذ بها النفس في حال ضعفها إلى قيام برهانها وسطوع حجتها.

وإن الخصاء العقلي الذي يمارسه أقوام ؛ لا يقع في مثل هذه المسائل على ذلك النحو ، من غير ما فارق يمكن أن يكون ، فإن العناد والحرونة ، والبعد عن القواعد الشرعية في الاستدلال ، والأخذ بنصوص الكتاب والسنة ، من فم الأئمة ، لخلوِّ الزمان من قائم بقضية الاستنباط على النحو المرعيِّ ، هذا كله أمر يمكن أن يُمَارَس فيه الخصاء الفكري ، تماماً كالذي أراد أن يغيظ امراته فخصى نفسه ، فلا امرأته غاظ ولا على نفسه أبقى .
وإن من عجائب المغالطات التي يحتار فيها المرء حقًا ، ويتأمل فيها مليِّاً فلا يجد له تفسيرًا ؛ أن يقوم الرجل من أهل الدعوة إلى الله رب العالمين ومن الساعين إلى تبوُّؤِ منصب الإمامة في الدين والجهاد والعلم ، هكذا أن يقوم الواحد وهو يسعى إلى هذا تحصيلاً ، بممارسة ما لا يمكن أن يُطلَق عليه وصفٌ شنيع ، ويأخذ كتابًا من كتب أهل العلم ، فلا يحقق مناطا ولا ينظر فيه تحصيلا ، وإنما يأخذ فيه مغالطًا ، عن وعيٍ فَعَل!؟ عن علمٍ أراد أن يصل إلى ما وصل إليه !؟ هذا أمر يعلمه الله رب العالمين وحده ؛ إذ إنه ربنا جل وعلا هو المطَّلِعُ وحده على ما في الضمائر وما تُكِنُّ الصدور.

ولكن تبقى الفَعْلَةُ شائهة ممجوجة ، تدل بذاتها على أمر له خبير ، ولئن كانوا العلماء قديما في مبحث الكفر والإيمان ، فرقوا بين التكفير المطلق وتكفير المعين ، فكذلك إذا ما نظرنا إلى تلك الوقائع المشوهة ، بمسخ كتب أهل العلم وهي بين أيدي الناس ، فلا يمكن إلا أن نقول على سبيل الإطلاق والعموم : ” من فَعَل ذلك فليس بمأمون ” وتلحق به من الأوصاف ما ينبغي أن يُلحَقَ بمثله إذا ما فعل مثل ذلك ، هذا على سبيل الإطلاق ، وأما على سبيل التعيين ؛ فكما قال العلماء في أمر المطلق والمعين : لابد من توفر شروط وانتفاء موانع.
والإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ، المتوفَّى سنة ثمان وسبعين وأربعمئة ، يلقَّبُ بإمام الحرمين لأنه أَمَّ بالحرم النبوي وبالحرم المكي ، وإمام الحرمين هو باني المدرسة الأشعرية الحديثة ، وله “العقيدة النظامية” بتحقيق الكوثري ، و”الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد” و “لُمَع الأدلة في عقائد أهل الملة” و “الشامل في أصول الدين” . وكان الجويني أبو المعالي إماما من أئمة الكلام في عصره ، وكان يقول بنفي الصفات على طريقة المعطلة ، وقد حكى شيخ الإسلام – رحمه الله – ما ذَكَرَهُ محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي الجويني يذكر على المنبر : ” كان الله ولا عرش ” يعني بذلك نفي الاستواء ، ونَفَى الاستواء على ما عُرِفَ من قوله.

قال شيخ الإسلام -إنصافا- : “وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين عجائز نيسابور ، فقال الشيخ أبو جعفر لما سمع منه ذلك على المنبر : “كان الله ولا عرش” ينفي الاستواء ، قال له الشيخ أبو جعفر : يا أستاذ ، دعنا من ذكر العرش – يعني لأن ذلك إنما جاء عن طريق النقل ، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ، ما قال عارفٌ قط : يا الله ، إلا وجد من قلبه معنىً يطلب العلو لا يلتفت يمنةً ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا أخذًا بمذهبك وتقريرا لما قلته وما جئت به من نفي الاستواء والعلو ، فما نصنع حتى ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا !؟ وسرق أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال : حيَّرني الهمذاني ونزل ، تاب عن هذا في آخر عمره رحمة الله عليه ، وكان له في الفقه باعٌ – رحمه الله -.

هذا الإمام – أبو المعالي – تصور أمرًا ما ، وكان عائشا في القرن الخامس الهجري ، وقد بَلَغَتْ الأمة الإسلامية قمة التمزق ، وصارت الأمة دويلات تحارب بعضها بعضا ، وصارت جملة كبيرة من تلك الدويلات إلى اعتقاد الروافض ، وبعدت عن منهج الكتاب والسنة ، بل وحاربت أهل السنة ، وقد كتب الجويني كتابا ، بناه عن تصور مستقبلي ، تصور أنه يقع في دنيا الله رب العالمين يوما.

فتصور الجويني خلوَّ الزمان من الإمام ، وكتب كتابا كبيرا جعل فيه مقدمة أرْبَت عن نصف الكتاب ، تكلم في تلك المقدمة عن كثير من أمور الإمامة بأحكامها ، ودافع بالكتاب عن نظام الملك ، وكان وزيرًا للسلطان ألب أرسلان ، ولم يكن – وهو المصرف لأمور الدولة في عهده – لم يكن مستحقا أن يكون إمامٌ لأن للإمامة شروطاً ، ومع ذلك كتب الجويني الكتاب ودافع فيه عن نظام الملك دفاعا مجيدا ، بل إنه ذكر في المقدمة أن كاتب الكتاب – يعني نفسه – إنما هو من خُدَّام الحضرة النظامية.

والحق يُقال : إن نظام الملك كان على مذهب أهل السنة من حيث الإطلاق ، بمعنى أنه كان في قبيل يوازي الشيعة ويضادها في آن ، وكان ناصرًا لمنهج أهل السنة بإطلاق ، يعني على العقيدة الأشعرية التي كان الجويني مقررا لها ، ومؤسسا ثانيا لأصولها ، وتصور الجويني عليه الرحمة خلو الزمان من الإمام ، فقال : “……

استماع

أهمية الرجوع إلى العلماء الربانيين

أخرج الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- أن النبى –صلى الله عليه وسلم- قال :”ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ” .
قوله –صلى الله عليه وسلم- ليس منا ، أى ليس من المتمسكين بهدينا، ولا العاملين بسنتنا، ولا المتخلقين بأخلاقنا.
وهذه جادة يُحمل عليها مثل هذا اللفظ فى كلامه –صلى الله عليه وسلم- ،فجعل النبى -صلى الله عليه وسلم- هنا من أخلاق الإسلام واتباع السنة إجلال الكبير، ورحمة الصغير، ومعرفة حق العالم .
وموطن الشاهد هنا فى موضوعنا فيما يتعلق بحقوق العلماء، فلابد من هذا، هذا من أخلاق الإسلام، ومن سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهديه الذى يجب التمسك به واتباعه .
فتأمل هنا كيف جعل النبى –صلى الله عليه وسلم- من فرَّط فى ذلك تاركا لاتباعه الحق، وتاركا للاستنان الحق بسنته –صلى الله عليه وسلم-، فلا بد من معرفة حق العلماء.

ويدخل في ذلك أمور متعددة، منها ما نتكلم فيه في موضوعنا الليلة، وهو الرجوع إلى العلماء، وسؤالهم في النوازل، والرجوع إليهم فيما يتعلق بدين المسلم فى كل صغيرة وكبيرة.
هذا من معرفة حقوق العلماء، فلابد من سؤالهم فى النوازل والمسائل، ولابد من الصدور على أمرهم والرجوع إليهم في كل ما يتعلق بالدين، هذا من معرفة حق العلماء .

الاستماع

يا صاحب السنة : عند الفتن اتخذ قلبا من حديد

إن صاحب السنة في هذا الزمان صارت الأمانة عليه أشد مما مضى من الأيام قبل أن تظهر هذه الفتن هذ الظهور، وتَبِعَةُ ذلك التي يتحملها صاحب السنة؛ هي كلمة الحق، حتى قال بعض أئمتنا من السلف: إن كلمة الحق لم تُبْقِ لنا صاحبًا” وهذا من ضروري الفهم والبصيرة أن يدركه صاحب السنة، كلمة الحق والصدع به ديانة وإخلاصًا لله لها تبعات ، من تبعاتها الغربة ، ومن تبعاتها الوحشة ، لا تجد من يسلك معك في الطريق ؛ فربما تستوحش ، ومن تبعاتها أن تصدع باعتقادك ، وأن تُبتلى ، وأن تُؤذى ، لذلك لما نصح العبدُ الصالح ولدَه : “يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ” فلو تأملت سياق القرآن ، وأذكر آيتين جمعَت هذين المعنيين . آية تأمر بالقيام بواجب الدين والصدع بالحق يتبعها الصبر ، وآية تأمر بتبليغ الرسالات ويتبعها اليقين والثقة بالله .
أما الأولى : فقول العبد الصالح لقمان ، حاكيًا ربُّنا عنه : “يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ” فبعد أن أمره أن يأمر بالمعروف وأن ينهَ عن المنكر ؛ أن يصبر على الأذى ؛ لأن هذا من لوازم كلمة الحق ، لابد أن تجد للحق مبغضين ومعاندين وكارهين ، فلابد أن تتهيأ للصبر لتكون رجلًا يحتمل الأذى ابتغاء مرضاة الله .
وأما الآية الأخرى فقوله تعالى في سورة الأحزاب: “الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ” قرن الله بين أمرين ؛ بين أداء الحق والأمانة ، وبين الجرأة . عُلِم من ذلك أن من خشي غير الله ضَعُفَ أن يقوم بالحق على قدر ما ضَعُفَ من قلبه اليقين ، لذلك فالناس يتفاوتون في كلمة الحق ، ولذلك لابد عند الفتن أن يتهيأ صاحب السنة لأمور أولها : أن يقول الحق ، ولو أدى أن يطعن في نفسه ، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”.
قد يقتضي الحق منك أن تطعن في أبويك ديانة ، كيف تطعن في أبويك !؟
لو أن أباك ظَلَمَ فرأيتَ ظلمَهُ ثم دُعيتَ إلى مجلس القضاء؛ هل ظَلَم؟ وأنت تعلم أنه فعل الظلم ؛ تقول : نعم ظلم وفعل كيت وكيت .
فأول أمرك أن تصدع بالحق ولو على أحب الناس إليك ، ولذلك أقول لو أن صاحب الباطل من أهل الضلال وأهل البدع وأهل الانحرافات ، جاء وغسل قدميك ثم مسحها لك بالمنديل ، فبعد أن ينتهي وأنت تقول هو صاحب بدعة ، هو صاحب بدعة من قبل أن يغسل قدميك ومن بعدها ، لأنك تتكلم في الناس ديانة ، ومن تكلم في الناس ديانة قُبِل قولُه وارتفع ذِكْرُه .

استماع

شرح الرسالة اللطيفة في أصول الفقه – الدرس الثاني

…الأدلة الشرعية إما أن تكون أدلة كلية، وإما أن تكون أدلة جزئية تفصيلية، حتى يرتسم الأمر في أذهانكم؛ نعطيكم به مثالًا .
عندما أقول : قول الله عز وجل “وأقيموا الصلاة” آية، إذًا كل آية من القرآن هي دليل عن الله، فإذا قلت : ما هي الأدلة التي يُبنَى عليها الإسلام؟ قلتُ: الكتاب والسنة .
وإذا قلتَ: ما الدليل على اللحية؟ قلتُ: أعفوا اللحى وحفوا الشارب.
إذن لمَّا أنت تقول: الكتاب والسنة أصلان دليلان للإسلام، إذن القرآن دليل كلي، قاعدة، القرآن قاعدة يُبنَى عليها الإسلام.
ولمَّا أقول: “وأقيموا الصلاة” دليل ولكنه جزئي، لماذا؟ لماذا أقول جزئي تفصيلي؟
تقول: لأنه يتكلم عن أمر محدد معين مفصل، ألا وهو: الصلاة .
لمَّا أقول: القرآن دليل للإسلام، دليل وقاعدة كلية، لماذا سميتها كلية؟
لأنها تشمل كل ما يتعلق بأدلة القرآن أو نصوص القرآن ،
إذن القرآن إذا نظرت إليه باعتبار أنه أصل يُبنَى عليه الدين فهو دليل كلي، فتقول : أدلة الإسلام: الكتاب والسنة.
وإذا نظرتَ إلى قوله تعالى: “وأقيموا الصلاة” قلت: هذا دليل جزئي.

استماع

العلم واليقين

… فإن هذه محاضرة بعنوان العلم واليقين ،نتعرف فيها على شىء مما يتعلق باليقين فى مسائله وأهميته فضله ،ونتعرف كذلك على علاقة العلم به، ودوره فى تأسيسه وترسيخه .
وهذا الأمر من الأهمية بمكان ،لاسيما فى زمن الفتن ،التى يزعزع فيها اليقين وتكثر العوامل التى تؤدى إلى اضطرابه فى القلب وتغيره من حين إلى أخر .
فما أحوجنا فى مثل هذه الأزمان والأوقات إلى معرفة ما يتعلق باليقين ،واستحضار ذلك والعمل على تنميته فى القلب ،ولابد أن ينعكس ذلك على العمل والسلوك .
وما أحوجنا أيضا إلى معرفة أهمية العلم ودوره فى ترسيخ اليقين وتنميته .
فهذا الموضوع من الأهمية بمكان ،نحن أحوج ما نكون إليه فى هذه الأوقات .

الاستماع

شرح الرسالة اللطيفة في أصول الفقه – الدرس الأول

إن الفقه مع الأصول كالروح مع الجسد، لا يمكن أن يتفقه الإنسانُ بغير أصول الفقه، كذلك العكس؛ ولا يمكن أن تتقن أصول الفقه إلا بدراسة الفقه، لماذا ؟
لأن أصول الفقه هي قواعد تستعين بها في طريقة الاستنباط، والفقه فروع تتخرج على القاعدة، فإذا جهلت قواعد الأصول كيف تخرج الفروع وقد جهلت الأصول !؟ لا يمكن! لا بد أن تضطرب ، ولا بد أن يضعف عندك الاستدلال.

ولذلك فإن أصول الفقه بالنسبة للفقه كقواعد البناء بالنسبة لأعمدة البناء، فأصول الفقه هي القواعد، والبنيان مع الأعمدة هي الفقه، والمسائل الفقهية. فإذا لم تكن متمكنناً من الأصول فكيف تستطيع أن تبني بغير قواعد!؟
ولذلك لو أحببنا أن نمثل لكم مثالا لكي نفهم – في الإجمال – ارتباط الأصول بالفقه؛ فانظر إلى قوله تعالى عندما مثل الله بالكلمة الطيبة فقال: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ” فهذه الشجرة إذا لم يكن لها أصلٌ ثابت فحتما تنهار وتقع، ولا تؤتي الثمرة، ولكي تؤتي ثمرها لابد أن يكون أصلها ثابت فعندئذ تعطي الثمار.

لذلك يا إخواني ترك دراسة الأصول يظهر في ضعف طالب العلم عند الاستدلال، وكذلك العكس؛ لو أنك درست قواعد الأصول بغير الفقه تكن دراستك نظرية، لا تستطيع أن تتقن تلك القواعد إلا بالمسائل، ولذلك كان أول من ألف في أصول الفقه هو الإمام الشافعي، في كتابه العظيم : “الرسالة” ، فأنت إذا نظرت في هذا الكتاب، وقد درست شيئا من الفقه والأصول ، تجد ما أقول لك ، فتجد أن الإمام الشافعي – رحمه الله – يعطي القاعدة ويؤصل على تلك القاعدة بمسائل فرعية فقهية ، فعندئذ تثبت تلك القواعد عن طريق تلك المسائل ، وتثبت تلك المسائل فهما عن طريق تلك القواعد.

فوجب علينا أن نفهم ما هي مادة أصول الفقه ؟ وهل كانت هذه المادة في زمن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – والتابعين ، وهل كل ما يقال في أصول الفقه قواعد مُسلَّمَة أم أن هناك ما هو متفق عليه ومختلف فيه؟

استماع

مراجعة الإخوان للإخوان

إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قد أخبر عن أمر يكون ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الخـلاص منه كيفَ يكـــون ..؟

فقد روي أحمد (4987) وأبو داود (3462) وصححه الألباني في صحيح أبي داود عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) .

وضحَ النبي صلى الله عليه وسلم جمـلة أمور :- متي تورطت فيها الأمه ، نزل عليها زلُ لا يُنزعُ إلا بما وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ) .  وفسدت معاملاتكم ، وهي حيلة من الحيل يلجأ إليها من لا خلاق لهُ في الآخرة ، ليتورط في الربا ، وما يتـورط ظـاهراً ، فيُدْخلُ السلعة بين مالين بينهما تفاوت وزياده ، ثم تنزع السلعة ويظل الأمر قائـم علي الربا ، إذْ النسيئـةُ ، وما صار في ذمّـةِ الآخِذِ ، أكبر وأعلي مما تحصـل عليـه نقداً .

(إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) .

إن كل من تربى علي عقيدة التوحيد يعرفُ خبيئةَ هذا الأمر علي النحو المستقيــم .

استماع

نظرة الإخوان في منهج الإخوان

إنّ لي صديقاً ، خلطتهُ بنفسي ، ومزجتهُ بروحي ، خلطته بنفسي حتى صار شيئا في دمي  ،  ومزجته بفكري حتى صار شيئا في عقلي

وأنا أُبصِرُ  بعينيه ، وأتكلم بلسانه ، وأتنفسُ برئتـيه ، وأتحرك بقدميه ، وأنطق بلسانه ، وأحب بقلبه وأبغض ، ولطالما خلوت به ، أُسائله ويُسائِلُني ، وأستنصحه فينصحني ، وأراجعه ليراجعني ، وهو والله تبارك وتعالى حسيبه ، مدبر عن الدنيا زاهد فيها ، ولو شاء لكانت بحول الله وقوته عند أطراف أصابع قدميه , وإني قد خلوت به ،  إذ له مدة من الزمان يتناول منهج الإخوان بالنظر والبحث .

فلما خلوت به ، قلــت  :- يا صاحبي لك مدة من الزمن تنقد منهج الإخوان كما الخبر ، فقال ويحك ، إن النقد لا يكون فى الدين ، النقد في الأدب فى الفن ، في المسرح ، ولو كان فنا إسلاميا كما يدعون ..!
ولكن ، ليس في الدين نقد ، في الدين نصيحة وإرشاد , وأمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر .

قلت فليكن ..

فهذا الذي تقول في حق القوم ، أكان شيئا عرفته من زمن فسكت عنه , أم هو شىء استحدثته معرفةً وعلمته مؤخراً .؟

قال صاحبي :-  بل هو شىء أعمله منذ ما يزيد عن ربع قرن من الزمان .

قلت :- فما الذي دعا إلي الإفصاح والإعلام .

بعد السر والكتمان ؟

قال صاحبي :- ما كان شىء من ذلك قطُ ، بل كان أمر البيان مبنياً على التلويح لا علي التصريح ، لأن القوم كانوا ينشرون مذهبهم على لون من ألوان السر من غير إفصاح .

استماع

أخلاق أهل السنة

وفى مقامى هذا أنبه على الإخلاص فى جانبين مهمين جدا ،يكثر وجودهما عند أهل السنة وهما من شعائرهم -من شعائر أهل السنة والجماعة- :

الجانب الأول :طلب العلم ،فمن شعائر أهل السنة والجماعة أنهم يطلبون العلم ،يتعلمون دينهم ويعرفون أحكامه وحدوده فى الاعتقاد والعمل ،فأين الإخلاص فى طلب العلم يا أهل السنة والجماعة؟؛ هل من سائل يسأل نفسه عن نيته فى هذا المجلس مثلا ؟ هل من شخص محص نيته فى حضور هذا المجلس ؟ هل من شخص استحضر النية الطيبة والتقرب إلى الله تعالى فى حضور هذا المجلس أو غيره من المجالس؟، الشيطان كثيرا ما ينسيك ،وكثيرا ما يلبس عليك ،وكثيرا ما يشغلك بزخارف الدنيا وزخرفها ،فاحذر وانتبه !! .

وأما الجانب الثانى :وهو من شعائر أهل السنة أيضا ومن خصال أصحاب الحديث ،وهو الجرح والتعديل ،الكلام فى الأشخاص ديانة ،التحذير من الباطل والمخالفات ،الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ،هذه خصلة لا توجد إلا عند أهل السنة والجماعة ،ولا يقوم بها بحقها إلا هم ،فأين الإخلاص فيها ؟؛ إذا تكلمنا فى مبتدع ،إذا حذرنا من مخالف ،أنفعل ذلك حميةً؟؛ أنفعل ذلك رياءاً ؟؛ أنفعل ذلك لأهواء شخصية ؟؛ أنفعل ذلك لتصفية حسابات ؟؛ أنفعل ذلك لمجرد كراهية فلان أو فلان لهؤلاء المبتدعة ؟؛ أم نفعل ذلك لله ؟ الذى يستحضر النية فى هذا المقام -كما قال شيخ الإسلام وغيره من العلماء- من أعظم المجاهدين فى سبيل الله ،لأن الجهاد كما تعلم جهاد بالقلب وجهاد باللسان وجهاد باليد .

 استماع