دعاة على أبواب جهنم

فإلى الأخ الحبيب الذي أرسل إلي بعض رسائل للداعية الذي أخَذْنَا عليه بعض السقطات ؛ أقول له:
شكر الله لك حسن ظنك بأخيك ؛ إذ ظننتَ أنَّ أخاك رجّاعًا إلى الحق ، وقّافًا عند الصدق ، باحثًا عن الخير ، فأردتَّ أكرمك الله تبصيره من العمى ، وهدايته من الغواية، ودلالته على الحق والخير. وأشكر لك سعيك في كشف ما أردتَّ كشفَه من أمور ظننتَهَا غائبة عني غائمة تحت بصري ؛ فأردتَّ أكرمك الله -وإن آثرتَ أن تكون مجهولًا لا تُعرف خفيًا لا تُرى- ؛ فأردتَّ أن أهتدي بما صنعت ؛ فبارك الله فيك ولك وعليك.
وأقول لك أيضًا غفر الله لك إذ صرفْتَنَا عمَّا أردنا أن نأخذ فيه وبه رعايةً لحق المناسبة التي أظَلَّتْ بأيام تحتاج تبصيرًا وتوجيهًا وإرشادًا، وإظهارًا لأمور ربما كانت خافية على كثير من المسلمين، عفا الله عنك وغفر لي ولك ؛ إذ رَدَدْتَنِي لِمَا كنت عَزَمْتُ على أن أبتعد عنه قليلًا ، فآثرتُ الخير وأردتُّ شيئًا أراد الله ربُّ العالمين غيرَه ، وأسأل الله جلَّت قدرته وتقدست أسمائه أن يخلص نياتنا، وأن يحسن أعمالنا، وأن يصلح بواطننا وظواهرنا، وأن يقيمنا على الحق على الجادة حتى نلقى وجه ربنا الكريم.
وقبل أن ألفت نظرك أيها الحبيب إلى بعض ما أردتَّ أن تلفت نظري إليه ؛ أسوق إليك أمرًا بيَّنَهُ لنا نبيُّنا – صلى الله عليه وآله وسلم – كما في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت صاحب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وهو من المستضعفين، وقد عُذِب في الله تبارك وتعالى عذابًا شديدًا ، واضطهد اضطهادًا كبيرًا ، ووقع عليه من الأذى الكثير ، ويحكي -رضوان الله عليه- كما في الصحيح:
جئنا إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – وهو متوسد بُردةً في ظل الكعبة فشكونا إليه، جاء المستضعَفون المُعذَّبون ومنهم خباب رضوان الله عليه ؛ وكان يُجْعَلُ الجمرُ المحمَّي في النار في ظهره فما يُطفئه إلا الودْكُ -أي الدهن الذي يسيل من ظهره- ، والجو مفعم برائحة اللحم المشوي، لا يستثير ذلك في مُعَذِّبِيْهِ رحمةً، ولا يستجلب في مضطهديه رأفة ، فجاءوا – أي جاء المستضعفون – يشكون إلى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد توسد بُردةً في ظل الكعبة، فقالوا يارسول الله! ألا تستنصر لنا! ألا تدعو الله لنا! -لأنهم يعلمون أنه مستجاب الدعوة، وأنه إذا طلب من الله رب العالمين أن يرفع الكرب وأن يزيل الغم وأن يكشف الهم ؛ استجاب له دعاءه وهو الحَيِيُّ الكريم- ، وجاءوا إلى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – فاعتدل النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فقعد فقال : – صلى الله عليه وآله وسلم – إنَّ من كان قبلكم كان يؤخذ الرجل منهم فَيُؤْشَر بالمنشار من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه حتى يصير بثنتين ؛ لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه وعصبه فما يصرفه ذلك عن دينه ، والذي نفسي بيده ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله أو الذئب على غنمه ؛ ولكنكم قوم تستعجلون .
في وسط هذا الكرب الكارب ، وهذا الهم الخطير؛ لم يدعُ لهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – برفع المحنة جملة وقتما أرادوا وحسبما أشاءوا؛ وإنما بيَّن لهم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أن سنَّة الله في خلقه أن يُبتلي بعضُهم ببعض، وأن يَبْلُوَ الناس بالخير والشر فتنةً، وأن يُمَحِّصَ اللهُ رب العالمين الناسَ ؛ لِيعْلَمَ الصادق من الكاذب والثابت من المضطرب والقائم من المُرْتَكِس في الفتنة، ولا عليهم من النتائج فلتأتي كما يريد الله .
يقول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ، -وهو راجع بهم إلى ما كان قبلهم من أحوال الأمم السالفات-، كان الرجل يؤخد فيُقام يؤتى بالمنشار ينشر من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه حتى يصير بثنتين بشقين بنصفين ؛ لا يصرفه ذلك عن دينه ، فلا بارقة المنشار تلمع في وَقْدَةِ الضحى -إذ يقوم القوم بنشره- يُفزِعُه ، ولا مسُّ المنشار إذ يعمل رفيقًا رفيقًا ثم حادًا حادًا ثم عنيفًا عنيفًا حتى يذهب الإحساس جملةً لا شيء من ذلك له بصارفٍ عن ما هو آخد به وقائم عليه من أمر الإيمان واليقين، والله ربُّ العالمين فعَّال لما يريد يقضي بما يشاء ويحكم بما يشاء وهو على كل شيء قدير .
….. نعود إلى أخينا الحبيب – عفا الله عنه – فقد أخرَجَنَا من أمر إلى أمر آخر ؛ وأقول لك أخي هوِّن عليك فلا عليك لو كفَرَ العالَمُ كله بالله رب العالمين فلن يضر الله شيئًا ، ولا عليك فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قد أخبرنا أنه طَلَبَ من ربه ثلاثة أمور فأعطاه اثنين وحجب عنه أمر ؛ طلب من ربه ألا يسلط على الأمة من خارجها من يستبيح بيْضَتَها ويستأصل شأْفَتَهَا؛ فقال أعطانيها، حتى لو تَجَمَّعَ عليهم مَنْ بِأقطارها فلا تُراعوا عباد الله ولا تخشوا ولا تخافوا، ولكن التزموا الجادة، وأدوا أداءً حسنًا باعتقاد صحيح؛ ولا عليكم من النتائج فالأمر مضمون مضمون ضَمِنَهُ لنا ربُّنا على لسان المأمون  – صلى الله عليه وآله وسلم -.
ولا تراعوا عباد الله ولا تخشوا ولا تفزعوا ولا تخافوا . فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سأل ربه ألا يهلك الأمة بِسَنَةٍ -أي بمجاعة وقحط- عامة؛ فقال أعطانيها. وإذًا فلا تراعوا عباد الله فإن الله رب العالمين حمى أمَّةَ محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – من استئصالٍ بِقُوَىً خارجية كائنًا ما كان أمْرُها، وبالغةً ما بَلَغَتْ قوتها، وعظيمة ما عظمت إرادتها ، ولكن بشرط أن تكونوا منسوبين للنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – .

إقامة الحُجَّة ورجاء الهداية

ففي حديث جابر الطويل ، الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، في صفة حج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – خَطَبَ خُطبة عظيمة جامعة في حَجة الوداع ، في محفل عظيم جامع من المسلمين الذين آمنوا بالله رب العالمين ، وبمحمد الأمين – صلى الله عليه وآله وسلم – .
وقال فيها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “قد تركتُ فيكم ما لم تضلوا بعده إذا اعتصمتم به؛ كتابَ الله” وفي رواية “كتابُ الله” ، فَنَصَبَ على البَدلِيَّةِ ورَفَعَ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ، وأنتم تُسألون عني ، فأخبر الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – أن الأمةَ تُسأل عنه يوم القيامة ، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم – “فما أنتم قائلون؟” يعني إذا سُئلتم عني فماذا أنتم قائلون؟ عندما يسألكم الله تبارك وتعالى عن البلاغ ، عما أديته إليكم من الرسالة والأمانة التي حمَّلَني الله -تبارك وتعالى- إياها ، فقالوا : “نشهد أنك قد بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصحت” فقال بإصبعه السبابة يَنْكُتُهَا إلى السماء ، أو يَنْكُبُهَا – في رواية – إلى السماء ، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ، يشير النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بِأُصْبُعِهِ بِإِصْبَعِهِ السبابة إلى السماء ثم يَنْكُتُهَا إلى الناس ، يَنكُبُهَا يعني يَقلِبُهَا إلى الناس يقول :”اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات .
الله تبارك وتعالى جَعَلَ للدعوة وظيفة ، ووظيفة الدعوة – وهي وظيفة الداعية – تنحصر في أمرين اثنين ، بَيَّنَ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في هذا الحديث العظيم في حَجَّة الوداع أحدَهُمَا ، وهو إقامة الحُجَّة على الخلق ، بتبليغ دين الله – تبارك وتعالى – على النحو الذي أدَّاه الله – تبارك وتعالى – عن طريق أمين الوحي جبريل .
فهذا هو الهدف الرئيسُ الأول من هدَفَي الدعوة ومن هدفَي الداعي إلى الله – تبارك وتعالى – أن يٌيم الحجة على الناس في الأرض كما أمر اللهُ – تبارك وتعالى – بذلك ، وعلى النحو الذي يريده الله ويحبه ، في حديث جابر الذي مَرَّ بيانٌ لأعظم هدف يمكن أن يؤدِّيَهُ داعيةٌ إلى الله -تبارك وتعالى- وهو تبليغ دين الله -تبارك وتعالى- وإرشاد الخلق إليه ، وتأدية الدين بلا زيادة ولا نقصان ، فليس على الداعية إلا إقامة الحجة حتى يخرج من عُهْدَة التكليف ، فإن الداعية متى جَهِلَ هذا الأصل العظيم ، وهو أن الهدف إنما هو تأدية الرسالة ، وإنما هو إقامة الحجة على الخلق في الأرض ، لكي تنقطع الحُجَّةُ – حُجَّةُ الناس – يوم القيامة إذا أقام الله -تبارك وتعالى- عليهم الحُجَّةُ والبيِّنات ، إذا ما جَهِلَ الداعيةُ هذا الأمرَ العظيم ؛ ساء فهمُه ، وضاق عَطَنُه ، وانحرف فِكره ، ورجع خاسرًا حتى يَشْتَطَّ إلى أساليبَ مخالفةٍ لمنهج الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وحينئذ يُوقِعُ الضرر بنفسه وبالآخرين ؛ بسبب جهله بهذه الحقيقة العظيمة ، الهدف الأول من هدَفَي الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- من هدفي الداعية الرئيسَيْنِ .
الهدف الأول هو: “إقامة الحجة على الأرض” بتأدية الأمانة وتبليغ الرسالة ، كما جاء بها الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ،
وأما الهدف الثاني فهو: “رجاء هداية المدعو” ، وأسوتنا في هذا الهدف الجليل هو نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – كان حريصًا على هداية الناس إلى الطريق القويم والصراط المستقيم – صلى الله عليه وآله وسلم – .
استماع

بين يدي عشر ذي الحجة

فإن الله تعالى جعل في أيام دهره نفحات ، وجعل في الأزمان مواسم للفضل والخيرات ، كما جعل في بعض الأماكن مزيد فضل وأجر ، تكرما منه تعالى على عباده وإحسانات ، ليتدارك المقصر في زمن طويل ما فاته في زمن قصير ، وليتسابق المتنافسون إلى مواسم مضاعفة الثواب ، كما تنافسوا في الصالحات في عموم الزمان.

وقد فضل الله تعالى المسجد الحرام على المسجد النبوي وعلى المسجد الأقصى ؛ فجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في المساجد العادية ، وجعل الصلاة في مسجد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بألف صلاة ، وجعل الله تبارك وتعالى ليلة القدر خيرًا من ألف شهر ، وفضل شهر رمضان ويوم الجمعة ، وفضل الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة ، وجعلها أفضل أيام الدنيا.

روى البزار بإسناد صحيح لغيره بسنده عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ” أفضل أيام الدنيا أيام العشر – يعني عشر دي الحجة – قيل ولا مثلهن في سبيل الله؟! قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عُفِّر َ وجهه بالتراب “.
وروى أبو يعلى عن جابر – رضي الله عنه – بإسناد صحيح لغيره عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال ” ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة، قال وقال رجل يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال فقال: هن أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله إلا عفير يُعَفَّر وجهه في التراب. – يعني خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء وذهب إلى ربه حميدًا شهيدًا – .
وقد أخبر – صلى الله عليه وآله وسلم – أن العمل الصالح في العشر أحب إلى الله عز وجل منه في غيره ، بالغًا ما بلغ العمل .
أيام العشر أفضل أيام الدنيا تجتمع فيها أُمّهات العبادات ، ويقع فيها معظم أعمال الحج، وفي يوم التروية يُهِّلُ الحاج بالحج ، ثم يذهب إلى منى فيصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها ثم يصلي الصبح، ثم يدفع إلى عرفة ، فيقف بعرفة إلى غروب الشمس ، ثم يدفع إلى المزدلفة – وهي المشعر الحرام – فيبيت ليلته ثم يصلي الصبح ويتوجه إلى القبلة، ويدعو طويلًا حتى يسفر جدا ، ثم يدفع إلى منى ؛ لكي يرمي جمرة العقبة الكبرى وذلك في يوم العيد، وفي يوم العيد معظم أعمال الحج ؛ فإنه يرمي جمرة العقبة الكبرى ، يحلق أو يقصر ، يذبح ، يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ، ثم في الثلاثة الأيام التالية هي أيام التشريق؛ يقوم برمي الجمار على النحو المعروف.
إذًا في العشر معظم أعمال الحج ، وتجتمع في العشر أُمّهات العبادات ، يقع فيها معظم أعمال الحج ؛ فيه يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ؛ ويوم النحر أفضل أيام السنة .
……. فإذا ضحى الرجل بالواحدة من الغنم الضأن أو المعز عنه وعن أهل بيته أجزأ عن كل من نواه من أهل بيته من حي وميت، فإن لم ينوِ شيئًا يعم أو يخص دخل في أهل بيته كل من يشمله هذا اللفظ  عرفًا أو لغة ؛ وهو في العرف من يعولهم من الزوجات والأولاد والأقارب ، وفي اللغة كل قريب له من ذريته وذرية أبيه وذرية جده وذرية جد أبيه.

ويجزيءُ سُبُع البعير أو سُبُع البقرة عما تجزيء عنه الواحدة من الغنم؛  فلو ضحى الرجل بسُبُع بعير أو سُبُع بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأه ذلك ، لأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – جعل سُبُع البدنة أو البقرة قائمًا مقام الشاة في الهدي، فكذلك يكون في الأضحية لعدم الفرق بينها وبين الهدي في هذا .
ولا تجزيء الواحدة من الغنم عن شخصين فأكثر يشتريانها فيضحيان بها لعدم ورود ذلك في الكتاب والسنة .
كما لا يجزيء أن يشترك ثمانية أو أكثر في بعير أو بقرة لأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها تعدي المحدود كمية وكيفية وهذا في غير الاشتراك في الثواب، فقد ورد التشريك فيه بدون حصر ولا حرج على فضله جل وعلا.
ففرق بين الاشتراك في الثواب ، فأما الاشتراك في الثواب فلا حرج فيه على فضل الله ، وأما الاشتراك في الثمن فلا يجوز أن يشترك أكثر من سبعة بدنة أو بعير أو بقرة، لأنه بهذا ورد في النصوص .

…… على المرء أن يجتهد في استغلال هذه الأوقات الطيبة وألا يضيعها ، وأن يتقي الله تبارك وتعالى في المسلمين وألا يضيع عليهم أوقاتهم كما يفعل الحزبيون والطائشون من أهل الأهواء والبدع؛ فإنهم تمرسوا على أن يحيلوا أعياد المسلمين إلى أحزان واقعة ، كأنهم ينقمون على المسلمين أن يفرحوا، لا يحبون أن يفرح مسلم بنعمة الله عليه.

وهذه الأيام الطيبة جعلها الله رب العالمين موسم للعبادة، وجعل الله رب العالمين أعياد المسلمين -أعيادهم المشروعة- جعلها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كما بَيَّن؛  في أيام التشريق أيامَ أكل وشرب وذكر لله عز وجل ، وكذلك قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق ، عيدنا أهلَ الإسلام” وفي رواية :”يوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام” .
معلوم أن من أعظم العبادات أن تُدخل السرور على أخيك المسلم ، لا أن تنزع منه السرور الذي يُسَرُّه بنعمة الله عليه “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا” فعلى الإنسان أن يجتهد في إدخال السرور على المسلمين.

استماع

الإضرابات والاعتصامات في مصر

فهذه صفحة من صفحات تاريخ أمتنا، وهي في أجلِّ زمنٍ وأعظمه ، مرَّ بهذه الأمة ومرَّت الأمةُ به ، في عهد عمر – رضي الله عنه – على إثْرِ ما كان من الخلافة الراشدة للصديق – رضي الله عنه – ، على منهاج نبوة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فقد كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ، ينعمون بأنباء النصر ، الذي حالف جند الإسلام في العراق والشام ، وينعمون بأخماس الفيء تَرِدُ إلى الخليفة ، يُقَسِّمُها بينهم أعطيات أعطيات ، تزيدهم رخاءً ، وتنقلهم من شَظَفِ البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لِيْنَاً وطراوةً ، زادتهم هذه الأعطياتُ قدرةً على أن يبتاعوا من تجارة اليمن ، ومن تجارة الشام ما يشاؤون ، وأن يقتنوا من خيراتِ مصر ، تجييءُ إليهم محمولة على السفن ، ما يجدون في اقتنائه متاعًا لم يكن لهم من قبلُ بمثله عهد .
وإنهم لكذلك ناعمون إذ فَجَاَهُم أمران كبيران؛ فقد أصيبوا في أخريات السنة السابعة عشر وطيلة السنة التي تَلَتْهَا بِهَوْلَيْنِ عَظيمَيْن ، أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة ، وأصاب الآخر إخوانهم المجاهدين في الميادين ، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال ، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع ، والحرث والنسل ، وأصابَ الناسَ منها أشد الجهد والبلاء .
وأما الهول الثاني فطاعون عَمَوَاس ، الذي امتد من الشام إلى العراق ، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساءً ، جندًا ومدنيين ، حتى ارتاع له عمرُ وارتاع له الناس جميعًا أيما ارتياع ، وأصيب المسلمون في مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بل في شبه الجزيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، بمجاعة وقحط ، كان من آثاره ما يأتي بعدُ .
وأصيب المسلمون في ميادين القتال وما حولها من الأرض المفتوحة في الشام والعراق بالطاعون ، الذي فَتَكَ بهم فتكاً ذريعًا ، واستشرى فيهم كالنار في الهشيم ، وسبب المجاعة أن أمسك الله المطر عن شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة ، وأن تحرَّكَتْ الطبقات البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل ما عليه من نبات ، فصارت الأرض سوداء مُجْدِبَةً ، كثيرة التراب ، فإذا رِيْحَتْ سَفَتْ رمادًا ، إذا جاءتها الريحُ سفَت الرماد ، حتى سُمِّيَ العام بعام الرَّمَادَة ، تخَدَّدَتْ فيه الأرض أخاديد أخاديد ، وصار الناسُ فيه إلى جوع شديد ، وكل ذلك في مدينة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها من أرض الجزيرة كلها ، وكل ذلك في عهد الفاروق عمر – رضي الله عنه – ، ومعه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مَنْ معه .
ونشأ عن إمساك المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوعٌ أهلكَ الناس والأنعام ، وقد فَنِيَ الكثير من قطعان الغنم والماشية ، وجفَّ ما بقيَ منها ، حتى كان الرجل يذبح الشاة يعافها لقبحها برغم جوعه وبلواه ، ولكن لا يجد من نفسه على مثل هذا الشيء إقبالًا ، ومن ثَمَّ أقْفَرَت الأسواق فلمْ يبقَ فيها ما يُباع ويُشترى ، وأصبحت الأموال في أيدي أصحابها لا قيمة لها ، إذ لا يجدون لقائها ما يسد رَمَقَهُم ، ولا ما يقيم أوْدَهُم ، وطال الجَهْدُ واشتد البلاء ؛ فكان الناس في عهد عمر – رضي الله عنه – وفي مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها ؛ كان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ، يُخرِجون ما فيها من تلك الحيوانات .
كان أهل المدينة – مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أحسن من غيرهم حالًا أولَ العهد بالمجاعة ، فالمدينة حَضَر ، ادَّخَر أهلُها حين الرخاء ما اعتاد أهلُ الحَضَر ادِّخاره ؛ فلما بدأ الجدبُ جعلوا يُخرجون ما ادَّخَروا يعيشون منه ، أما أهل البادية فلم يكن لهم مُدَّخَرٌ فاشتد بهم الكرب من أول الأمر ، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ، ويلتمسون لدى أهلها فتاتًا يقيمهم ، وازداد هؤلاء اللاجئون عددًا فضاقت بهم مدينة الرسول ، واشتد بأهلها البلاء ، وصاروا في مثل حال أهل البادية جدْبًا ومَسْغَبَةً وجوعًا .
ماذا يصنع عُمَرُ بنفسه ؟! وماذا يصنع بهؤلاء الجياع !؟ ….

استماع

ماذا لو حكم الإخوان مصر؟

الْيَوْمَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَفَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ، وَعَطَائِهِ وَنِعْمَتِهِ- عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلَّمُ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذُوا فُرْصَتَهُمْ كَامِلَةً، حَتَّى صَارُوا عَلَى أَعْتَابِ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَحْلُمْ بِهِ يَوْمًا أَشَدُّهُمْ تَعَصُّبًا، وَأَكْثَرُهُمْ غُلُوًّا.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ صَارُوا -بِزَعْمِهِمْ- قَادِرِينَ عَلَى الِانْتِقَامِ، وَإِنْزَالِ الْمَوْتِ الزُّؤَامِ، وَاسْتِيفَاءِ مَا يَظُنُّونَهُ حُقُوقًا أَجَّلَ اسْتِيفَاءَهَا احْتِدَامُ الصِّدَامِ مَعَ النِّظَامِ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَكَمْ سَكَتُّ عَنْهُمْ فِي أَحْوَالٍ مِنْ ضَعْفِهِمْ، وَحَيْصَتِهِمْ، وَارْتِبَاكِهِمْ؛ لِأَنَّ أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الْإِجْهَازَ عَلَى الْجَرْحَى، وَاتِّبَاعَ الْفَارِّينَ، وَالتَّعَرُّضَ لِلنِّسَاءِ!!

وَمَا زِلْتُ أَطْمَعُ أَنْ يُعِينَنِي ذُو الْجَلَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ التَّمَسُّكِ بِأَهْدَابِ أَذْيَالِ أَخْلَاقِ عَصْرِ الْفُرُوسِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَانِي فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلْقِ مَا يُعَانُونَ لِكَيْ يُحَقِّقُوا التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ عَصْرِ الْحُمُورِيَّةِ!!

وَكَمْ هُوَ عَسِيرٌ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا هُوَ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ شَرْعِيٌّ، بَيْنَ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ وَمَا هُوَ مَوْضُوعِيٌّ!!

وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، فَتَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ.

الْيَوْمَ أَتَكَلَّمُ، وَقَدْ أَصْبَحَ الْإِخْوَانُ الْمُسْلِمُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ حُكْمِ مِصْرَ؛ لِأُجِيبَ -بِحَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ- عَنْ سُؤَالٍ مِنْ حَقِّ الْمَحْكُومِينَ عَلَى الْحَاكِمِينَ أَنْ يَعْرِفُوا إِجَابَتَهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ أُمُورُ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ جَمِيعًا، وَهِيَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَالْوُضُوحِ؛ إِذِ النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، وَالْجَهْلُ قَتَّالٌ لِأَقْوَامٍ!

وَالْإِخْوَانُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الَّتِي آمَنُوا بِهَا، وَرَوَّجُوا لَهَا، وَبَلَغُوا بِهَا مَبَالِغَهُمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا الَّتِي تُشْرَعُ سِهَامُهَا إِلَى نُحُورِهِمْ، وَتُصَوَّبُ خَنَاجِرُهَا إِلَى صُدُورِهِمْ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ شُوِّهَتْ فِيهِ مَعَالِمُ الشَّرِيعَةِ، وَحُرِّكَتْ عَنْ مَوَاضِعِهَا ثَوَابِتُهَا؛ بِحُجَّةِ تَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَكْثِيرِ الْمَصَالِحِ، وَمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ.

نَحْنُ فِي زَمَانٍ غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الدِّينِ السَّفَاهَةُ وَالْجُنُونُ؛ حَتَّى صَارُوا كَمَنْ سُئِلَ: كَمْ لِلْأَرْنَبِ مِنْ رِجْلٍ؟!! فَأَجَابَ: لِلْعُصْفُورِ جَنَاحَانِ!!

كَذَلِكَ السَّفِيهِ الَّذِي لَا تَكَادُ تَشُكُّ فِي جُنُونِهِ، إِذَا رَأَيْتَهُ مُتَكَلِّمًا، بَلْ هُاذِيًا، وَقَدْ جَحَظَتْ عَيْنَاهُ، وَانْقَلَبَتْ حَمَالِيقُهُ، وَسَبَقَ لِسَانُهُ عَقْلَهُ -إِنْ كَانَ لَهُ-، فَتَوَرَّطَ فِي سَبِّ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رُوجِعَ، اتَّهَمَ مَنْ سَمَّاهُمْ بِالْمَدَاخِلَةِ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُسْتَهْدَفٌ بِمُؤَامَرَةٍ كَوْنِيَّةٍ حَاكَتْ أَطْرَافَهَا شَيَاطِينُ اسْتِخْبَارَاتِيَّةٌ مِنْ كُلِّ جِنِّيٍّ مَارِدٍ وَجِنِّيَّةٍ.

وَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ، وَيُقِرَّ وَيُذْعِنَ، وَيَتَطَامَنَ وَيَخْشَعَ، وَيَفِيءَ إِلَى الصَّوَابِ، وَيَعُودَ إِلَى الرَّشَادِ، رَاحَ يُوَزِّعُ اتِّهَامَاتِهِ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الْقَنَاةِ الَّتِي يُسَبُّ فِيهَا بَوَاكِي!!

وَشَيْخُهَا يَعْتَذِرُ عَلَى الْهَوَاءِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَعْتَذِرُ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمُعْتَذِرٍ.

وَآخَرُ يَأْمُرُ الْأَبْنَاءَ بِسَرِقَةِ الْآبَاءِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مِنْ عُقُوقِهِمْ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَتَعْوِيدِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَدِّ أَيْدِيهِمْ إِلَى حَيْثُ يَجِبُ أَنْ تُقْصَرَ، وَعَلَى اسْتِطَالَتِهَا حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تُكَفَّ، وَالرَّجُلُ -مَعَ ذَلِكَ- صَاحِبُ ادِّعَاءَاتٍ عَرِيضَةٍ، وَتَهْوِيلَاتٍ سَخِيفَةٍ، وَلَكِنْ سَامِعُوهُ مِمَّنْ صَدَّقُوهُ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ!! بَلْ كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ!!

وَثَالِثٌ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدَّعِي مِنْ أُمُورِ الْغَيْبِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَيِّدْ مُرَشَّحَهُ الْمُفَضَّلَ، سَيَلْدَغُهُ الثُّعْبَانُ فِي الْقَبْرِ بِضْعَ سِنِينَ!!

وَلَيْسَ هَذَا سِوَى نَمُوذَجٍ مِنْ تَهَوُّرِهِ وَسَخَافَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ يُبَعْثِرُهَا عَلَى أَسْمَاعِ الْمُغَيَّبِينَ فِي رُبُوعِ مِصْرَ الْمُبْتَلَاةِ بِهِمْ.

هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنِ ابْتَلَى اللهُ مِصْرَ بِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ.

أَتَطْمَعُ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُ سُعْدَى             وَتَزْعُمُ أَنَّ قَلْبَكَ قَدْ عَصَاكَ؟!!

فَإِذَا كَانَ قَلْبُكَ يَعْصِيكَ، وَيَتَمَرَّدُ عَلَيْكَ وَلَا يُطِيعُكَ، أَفَتَطْمَعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُطِيعَكَ قَلْبُهَا؟!!

مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُطَبِّقَ الشَّرِيعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى غَيْرِهِ!

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ عَدْلِ عُمَرَ وَإِنْصَافِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَدْلِ مَا يُقِيمُونَ بِهِ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ مَعَ مُؤَالِفِيهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ بِمُخَالِفِيهِمْ؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَنْ تُطَبَّقَ إِلَّا بِجِيلٍ طَبَّقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَصَبَغَ بِهَا حَيَاتَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَضَحَتْ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ بِأَخْلَاقِ الْمَسْجِدِ، لَا كَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ بِأَخْلَاقِ السُّوقِ!!

يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّ الشَّرِيعَةَ مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ، فَأَيْنَ هِيَ الْعَقِيدَةُ فِي دَعْوَتِكُمْ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَدْعَمُونَهَا، وَتُرَوِّجُونَ لَهَا، وَتُقَاتِلُونَ دُونَهَا، وَتُكَفِّرُونَ أَوْ تُفَسِّقُونَ مَنْ خَالَفَهَا؟!!

يَا هَؤُلَاءِ، لِمَاذَا تُطِيلُونَ عَلى الْمُسْلِمِينَ الطَّرِيقَ، وَتُصَعِّبُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ السَّهْلَ، وَتُبْعِدُونَ عَنِ الْمُحْسِنِينَ الْقَرِيبَ؟!!

إِنَّ الْجِيلَ الْمِثَالِيَّ الْأَوَّلَ أَقَامَ الشَّرِيعَةَ لَمَّا قَامَ بِهَا، وَأَرْسَى الدِّيَانَةَ لَمَّا تَدَيَّنَ بِهَا، وَنَشَرَ الْإِسْلَامَ لَمَّا عَمِلَ بِالْإِسْلَامِ وَعَاشَ الْإِسْلَامَ، وَثَبَّتَ دَعَائِمَ الْحَقِّ لَمَّا تَحَقَّقَ بِهِ، وَسَمَّعَ الدُّنْيَا فَسَمِعَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَهَا لَمَّا تَخَلَّقَ بِهَا وَحَقَّقَهَا.

الْيَوْمَ مِنْ حَقِّ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْنَا، وَمِنْ حَقِّ الشَّعْبِ الْمِصْرِيِّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، أَنْ نُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ:
مَاذَا لَوْ حَكَمَ الْإِخْوَانُ مِصْرَ -أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ-؟!!

استماع

كفانا غفلة

ففي “تلبيس إبليس” ذَكَرَ ابنُ الجوزي – غفر الله له – أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، وهو يدخل منه على الجهال بأمان ؛ فأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارَقَة، وقد لَبَّسَ إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم ، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يُحْكِم العلم، فأول تلبيسه عليهم: إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من النوافل، فأراهم أن المقصود من العلم : العمل، وما فهموا من العمل إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلوب ، وأن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح، العمل إنما هو للقلب وللجوارح على السواء؛ فلا تسيئن فهم كلامه – غفر الله له – .
قال مُطَرِّفُ بن عبد الله : “فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة”.
وقال يوسف بن أسباط: “باب من العلم تَتَعَلَّمُهُ، أفضل من سبعين غزاة”
وقال المُعَافى بن عمران: “كتابة حديث واحد أحب إليَّ من صلاة ليلة”
وقال ابن الجوزي: “فلما مر عليهم في هذا التلبيس” وآثروا التعبد بالجوارح على العلم؛ تمكن إبليس من التلبيس عليهم في فنون التعبد.
وذكر بعضاً من تلبيسه على الحُجَّاجِ فقال: “قد يُسقِطُ الإنسانُ الفرضَ في الحج مرة، ثم يعودُ لا عن رضاء الوالدين؛ وهذا خطأ ، وربما خرج وعليه ديون أو مظالم، وربما خرج للنزهة، وربما حج بمال فيه شبهة، ومنهم من يحب أن يُتَلَقَّى إذا عاد، ويحب أن يُقال له “الحاج”، وجمهورهم يضيع في الطريق فرائض من الطهارة والصلاة، ويجتمعون حول الكعبة بقلوب دَنِسَةٍ وبواطن غير نقية.

وإبليس يريهم صورة الحج فيغرهم، وإنما المراد من الحج القربُ بالقلوب لا بالأبدان فقط، وإنما يكون ذلك مع القيام بالتقوى ، وكم من قاصد إلى مكة همته عدد حجَّاته، فيقول: “لي عشرون وقفة”. وكم من مجاور قد طال مكثه ولم يشرع في تنقية باطنه، وربما كانت همته متعلقة بفتوح يصل إليها، وربما قال: إن لي اليوم عشرين سنة مجاوراً، قال: وكم رأيتُ في طريق مكة من قاصد إلى الحج يضرب رفقائه على الماء ويضايقهم في الطريق، وقد لبَّسَ إبليس على جماعة من القاصدين إلى مكة، فهم يضيعون الصلوات ويطففون إذا باعوا، ويظنون أن الحج يدفع عنهم، وقد لبَّسَ إبليس على قوم منهم فابتدعوا في المناسك ما ليس منها.. ”
فمعلوم أن المعاصي والذنوب تُعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي ، وتضعف قوته، وعزيمته، فلا يصبر عليها ، بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيرُه، فيدرك الباطل حقا والحق باطلاً، والمعروف منكرا والمنكر معروفًا ، فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت لها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنب إلا هذه العقوبة لكانت داعية لتركها والبعد عنها والله المستعان .
فاحذر الذنوب فإنها تُعمي عين البصيرة ، وتميتُ القلب ، فإن لم تُمِتْهُ أضْعَفَتْهُ ، وفي ذلك كله هلاك الأبد ، فاتق الله ربك، وأمسك عليك لسانك ، واحمِ سمعك وبصرك، واحفظ قوى قلبك متوفرة على توحيد ربك، وعليك بالخلوص من الشرك ظاهرًا وباطنًا ، اعتقادًا وقولًا وعملًا ، والزم جادة التوحيد ، وخذ بأصول المتابعة، حتى تكون على منهج النبي الرشيد ، بالقول السديد، والعمل الموفَّق المجيد، وذلك كله بأن تكون على منهاج النبوة؛ ولن تكون حتى تُنَظِّفَ طريق الحق من قاذوراته، وقاذورات كل من سَلَكَ بغير حق يبغي إفساده وفساده على السالكين.

فلا يمكن أن تُعَدَّ سالكًا طريق الحق حتى تتوفر على تنظيف الطريق من كل ما يعلق به من شوائب من ليس من أهله، فإن هؤلاء من المدسوسين على أهل السنة إنما يريدون ان يحرفوهم على الصراط المستقيم، هؤلاء إنما هم من أتباع الشياطين ، وحالهم كما هو معلوم مكشوفٌ ظاهر معروف، وعلى كل من أراد الحق أن يلتمس الدليل وعليه ألا يتبع الهوى حتى لا يضله عن الصراط المستقيم وعن سواء السبيل .
احذر الذنب ؛ واعلم أن القلب كلما أذنب العبدُ ذنبًا نُكتت فيه نكتة سوداء ، فما يزال ذلك كذلك حتى يصير أسودَ مُرْبادَّاً كالكوز مُجَخِّيَاً لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا ، إلا ما أُشْرِبَ من هواه ، وهؤلاء الذين صاروا إلى هذا الحد لا خير فيهم ، إلا أن يتداركهم الله – تبارك وتعالى – برحمته .
وعلى المسلم الشحيح بدينه الحريص على آخرته أن يتوكل على الله ربه، وأن يجتهد في عمل الطاعات ، والبعد عن السيئات، وأن يُخلِص قلبه لله، وأن يكون على منهاج النبوة منهاج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ، حتى يكون على الصراط المستقيم ، والهدى القويم ، بحمد الله تبارك وتعالى الكريم ، ومعونته وهو الرحمن الرحيم العليم ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

استماع

خلاصة النصيحة والبيان لإخواننا من الإخوان

[تنبيه : هذه الخطبة ألقيت في 2005 – رجاء مراجعة ملف الإخوان كاملًا]
.. نصيحة ودعاء لإخواننا من الإخوان , نسأل الله تعالى أن تكون خالصة لوجه الكريم , ونسأله تعالى أن يجمعنا على كلمة سواء وأن يهدينا وإياهم وأن يؤلف بين قلوبنا أجمعين ..
إن الله – تبارك وتعالى – الذي أكرمنا بالإسلام العظيم؛ لم يجعل لنا من مناصٍ إلى العودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – في كل حال وحين، وأمرنا الله – تبارك وتعالى – عندما يَدِبُّ التنازعُ بيننا بالعودة إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – .
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أمر الله – جَلَّت قدرته؛ بالعودة إلى كتابه وإلى سنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – ومحالٌ أن يأمر عند النزاع بالعودة إلى شيء لا يوجد فيه قطعُ النزاع وحسم مادته، خطاب الحكيم أنه إذا ما دل على شيء أن يكون كما دل عليه؛ وإلا كان القول عبثاً؛ فكيف إذا تعلق ذلك بأمر الله – جَلَّت قدرته – .
ولم يكرر الفعل عند أولي الأمر لأن طاعة أولي الأمر مشروطة بطاعة الله ورسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – .
… قال الدكتور الذي رأيه رأي الجماعة، والذي رأي الجماعة رأيه، وهو عضوٌ في مكتب إرشادها، يقول في صحيفة الدستور العدد التاسع عشر الإصدار الثاني بتاريخ الأربعاء 27/7/2005 : “لو يوافق الشعب على إلغاء المادة الثانية من الدستور يبقى خلاص، والمادة الثانية وهي الحكم بالشريعة ليست فرضًا على الناس، فإن المدخل الحقيقي للديموقراطية هو الاحتكام للشعب وتداول السلطة، وبالمناسبة: الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
لو كان رأيًا فرديًا لمررناه على مضض، ولكن الرجل يعيد ويزيد أن رأيه رأي الجماعة، وأن قوله قولهم، وأن ما يصدر عنه من قناعة هي قناعتهم، وإذن ؛ فبماعدلة يسيرة تستطيع أن تقول أن الكلام الذي سمعتَ هو رأي الجماعة كما يقول الرجل، الإسلاميين المتطرفين بيقولوا “ربنا” واحنا بنقول: “الاحتكام للشعب” .
ثم يقول في تصريحات لجريدة العرب الناصري في العدد 879 سنة 11 الأحد 5/10/2003 : “نحن لا نعترض على اختيار مسيحيٍ رئيسًا لمصر بالانتخاب ، لأن هذا حق لأي مواطن بغض النظر عن ديانته وعقيدته السياسية ، حتى لو كان زنديقًا ، فمن حقه أن يرشح نفسه ، وإن اختاره الشعب فهذه إرادتهم، لأن البديل في هذه الحالة أن تحارِبَ الشعب وتصبحَ مستبدًا ، وهذا نرفضه تمامًا، فنحن مع ما يختاره الشعب أيًا كان” ..
لو كان هذا رأيه ما أَبِهْنَا له ، ولا التفتنا إليه ، وإنما هو رجل يقول ما يحلو له ، ولن يعدوَ قدرَه في نهاية الأمر ؛ فأما أن يصرِّحَ جازمًا في جريدة ناطقة باسم الجماعة ، أن رأيه رأيهم، وقوله قولهم، ثم يعجب ممن يشكك في الفصل بين قوله وقولهم …
استماع

نقض الإخوان في منهج الإخوان

إن من القواطع التي تحولُ ، دون وصول العقل إلي ما ينبغي أن يصل إليه من الحقائق الواضحات ، والمسلمات البدهيات ، أن يفكر الإنسان تفكيراً جمعيّاً ، بمعني أن لا يستقل بفكر ولا نظر ، ولاينفرد باتعاظ ، ولا اعتبار بأثر ، وإنما يكون سائرة مغلقة من فكر محدود ، يُفَكَّرُ له ولا يُفكِر ، ويُتذكّرُ له ولا يتذكَر ، ويُرسمُ له فيمضي مولياً شطر الغاية التي نُصبَت والهدف الذي رُسِمَ ، من غير ما قناعةٍ فكريةٍ عقليةٍ  ثابتةٍ راسخة قائمةٍ علي أصل ثابتٍ وقرارٍ مكين ، وإنما بعاطفةٍ حماسية تدفع المرء إلى السير كيفما اتُفقَ علي حسبِ ما رُسمَ من غير ما مراجعةٍ ولا معاودةٍ ولا مزيد اعتبارٍ ونظر.

وقد دلنا الله تبارك وتعالي علي الخروج من هذا القاطعِ ، يقول الله تبارك وتعالي آمراً نبيه – صلى الله عليه وسلم – أن يقول للمعاندين: “قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ ”
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ : قُل يامحمد -صلى الله عليه وسلم- لۖمن يعاندكَ ويُحادُّك ويُشاقُّكَ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  ، بخصلةٍ واحده ،  { أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} ، أُخرِجُوا من فكر جمعي ضاغط مانع من الوصول إلي الحق ، إلي نظرٍ مجرد مستق ، مثني مثني ، أو فُرادي ، واحِدا واحِداً ، إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ  أن تقوموا للّه مثنى وفُرادى ثم تتفكروا.

في هذه الآيه شرطا كبيراً جليلا، أن تقوموا للّه ، متجردين ، من غير ما نوازع للهوي مُسبّقه ، ومن غير ما مرتكزات للفكر الضاغط موجهه ، أن تقوموا لله ! قوموا لله ثم تفكروا في حاله واعتبِرواْ بِمقالِه .

استماع