الإضرابات والاعتصامات في مصر

فهذه صفحة من صفحات تاريخ أمتنا، وهي في أجلِّ زمنٍ وأعظمه ، مرَّ بهذه الأمة ومرَّت الأمةُ به ، في عهد عمر – رضي الله عنه – على إثْرِ ما كان من الخلافة الراشدة للصديق – رضي الله عنه – ، على منهاج نبوة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – .
فقد كان المسلمون في المدينة وفي شتى الأرجاء من شبه الجزيرة ، ينعمون بأنباء النصر ، الذي حالف جند الإسلام في العراق والشام ، وينعمون بأخماس الفيء تَرِدُ إلى الخليفة ، يُقَسِّمُها بينهم أعطيات أعطيات ، تزيدهم رخاءً ، وتنقلهم من شَظَفِ البداوة وتقشفها إلى ما يشبه الحضارة لِيْنَاً وطراوةً ، زادتهم هذه الأعطياتُ قدرةً على أن يبتاعوا من تجارة اليمن ، ومن تجارة الشام ما يشاؤون ، وأن يقتنوا من خيراتِ مصر ، تجييءُ إليهم محمولة على السفن ، ما يجدون في اقتنائه متاعًا لم يكن لهم من قبلُ بمثله عهد .
وإنهم لكذلك ناعمون إذ فَجَاَهُم أمران كبيران؛ فقد أصيبوا في أخريات السنة السابعة عشر وطيلة السنة التي تَلَتْهَا بِهَوْلَيْنِ عَظيمَيْن ، أصابهم أحدهما في موطنهم من شبه الجزيرة ، وأصاب الآخر إخوانهم المجاهدين في الميادين ، فأما أول الهولين فالمجاعة التي انتشرت في بلاد العرب من أقصى جنوبها إلى أقصى الشمال ، والتي دامت تسعة أشهر هلك فيها الزرع والضرع ، والحرث والنسل ، وأصابَ الناسَ منها أشد الجهد والبلاء .
وأما الهول الثاني فطاعون عَمَوَاس ، الذي امتد من الشام إلى العراق ، فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساءً ، جندًا ومدنيين ، حتى ارتاع له عمرُ وارتاع له الناس جميعًا أيما ارتياع ، وأصيب المسلمون في مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بل في شبه الجزيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، بمجاعة وقحط ، كان من آثاره ما يأتي بعدُ .
وأصيب المسلمون في ميادين القتال وما حولها من الأرض المفتوحة في الشام والعراق بالطاعون ، الذي فَتَكَ بهم فتكاً ذريعًا ، واستشرى فيهم كالنار في الهشيم ، وسبب المجاعة أن أمسك الله المطر عن شبه الجزيرة كلها تسعة أشهر كاملة ، وأن تحرَّكَتْ الطبقات البركانية من أرضها فاحترق سطحها وكل ما عليه من نبات ، فصارت الأرض سوداء مُجْدِبَةً ، كثيرة التراب ، فإذا رِيْحَتْ سَفَتْ رمادًا ، إذا جاءتها الريحُ سفَت الرماد ، حتى سُمِّيَ العام بعام الرَّمَادَة ، تخَدَّدَتْ فيه الأرض أخاديد أخاديد ، وصار الناسُ فيه إلى جوع شديد ، وكل ذلك في مدينة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها من أرض الجزيرة كلها ، وكل ذلك في عهد الفاروق عمر – رضي الله عنه – ، ومعه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مَنْ معه .
ونشأ عن إمساك المطر وهبوب الرياح وهلاك الزرع والضرع جوعٌ أهلكَ الناس والأنعام ، وقد فَنِيَ الكثير من قطعان الغنم والماشية ، وجفَّ ما بقيَ منها ، حتى كان الرجل يذبح الشاة يعافها لقبحها برغم جوعه وبلواه ، ولكن لا يجد من نفسه على مثل هذا الشيء إقبالًا ، ومن ثَمَّ أقْفَرَت الأسواق فلمْ يبقَ فيها ما يُباع ويُشترى ، وأصبحت الأموال في أيدي أصحابها لا قيمة لها ، إذ لا يجدون لقائها ما يسد رَمَقَهُم ، ولا ما يقيم أوْدَهُم ، وطال الجَهْدُ واشتد البلاء ؛ فكان الناس في عهد عمر – رضي الله عنه – وفي مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وما حولها ؛ كان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ، يُخرِجون ما فيها من تلك الحيوانات .
كان أهل المدينة – مدينة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أحسن من غيرهم حالًا أولَ العهد بالمجاعة ، فالمدينة حَضَر ، ادَّخَر أهلُها حين الرخاء ما اعتاد أهلُ الحَضَر ادِّخاره ؛ فلما بدأ الجدبُ جعلوا يُخرجون ما ادَّخَروا يعيشون منه ، أما أهل البادية فلم يكن لهم مُدَّخَرٌ فاشتد بهم الكرب من أول الأمر ، ثم إنهم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ، ويلتمسون لدى أهلها فتاتًا يقيمهم ، وازداد هؤلاء اللاجئون عددًا فضاقت بهم مدينة الرسول ، واشتد بأهلها البلاء ، وصاروا في مثل حال أهل البادية جدْبًا ومَسْغَبَةً وجوعًا .
ماذا يصنع عُمَرُ بنفسه ؟! وماذا يصنع بهؤلاء الجياع !؟ ….

استماع

حب الوطن الإسلامي من الإيمان [هكذا ضيعوا الأوطان]

..جعل الله النفي عن الوطن، والبعد عن الأهل والدار والولد، جعل ذلك كله عقوبة في كبيرة عظيمة من كبائر الإثم العظام، وهي الزنا .
..التقوى بمعناها الصحيح يدخل فيها أن يتقي المسلم ربَّه في بلده، في وطنه، أن يتقي المسلم ربه تعالى في وطنه لا يخونه، ولا يسلط عليه عدوا ، ولا يجره إلى الفوضى، ولا يهيج الأحقاد بين أهله.
قال الشيخ شاكر -رحمه الله تعالى-: “إياك أن تظن أن تقوى الله هي الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات فقط، إن تقوى الله تدخل في كل شيء، فاتق الله في عبادة مولاك لا تفرط فيها، واتق الله في إخوانك لا تؤذي أحدا منهم، واتق الله في بلدك ، لا تخنه ولا تسلط عليه عدوا، واتق الله في نفسك ولا تهمل في صحتك، ولا تتخلق بسوى الأخلاق الفاضلة.”
فاتق الله في وطنك لا تخنه، ولا تسلط عليه عدوا، ولا تدفعه إلى سبل الفوضى، وانطلاق الغرائز من عُقُلها، تدميرا وتخريبا وتشريدا وسفكا للدماء ونهبا للثروات وتعطيلا للإنتاج، إلى غير ذلك من تلك الطامات.
اتق الله في بلدك لا تخنه ولا تسلط عليه عدوا، ولا تدفعه إلى الفوضى والشقاق..
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون!؟
أيخون إنسانٌ بلادَه !؟
إن خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون!؟
قد تضيق أخلاق الرجل فيظن أن وطنه قد ضاق به، والحق كما قال الشاعر القديم، أنه :
ما ضاقت بلادٌ بأهلها ::: ولكن أخلاقَ الرجال تضيق
وحال من فارق وطنه هو :
شوق يخضُّ دمي إليه ، كأن كلَّ دمي اشتهاء
جوع إليه .. كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء
شوقُ الجنين إذا اشرأبّ من الظلام إلى الولادة
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسانٌ بلادَه؟
إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام
حتى الظلام لديه أجمل ، فهو يحتضن الكنانة
واحسرتاه ، متى أنام
فأحسُّ أنَّ على الوسادة
من ليلك الصيفي طِلاّ فيه عطرك يا كنانة ؟
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسانٌ بلادَه؟
يخون الإنسانُ بلده بدفعه إلى الفوضى، بدفعه إلى الشَّغْبِ والاضطراب، بانحلال عُرَى الأمن والأمان، في بلد متعه الله بذلك، هو مطلب عزيز، يُتَخطَّفُ الناسُ من حولنا، يبحثون عن ظله، عن أثرٍ منه فلا يجدونه، ومن تمتع به لا يحس به.
ما دام الوطن إسلاميا؛ فإنه يُحَبُّ، ويُبذل الجهد كله لبقائه إسلاميا، واستكمال ما غاب من شرائع الإسلام عنه، ويُحافَظ على أمنه، واستقراره.
ما دام الوطنُ إسلاميا فَيَحْرُمُ أن يُدفَعَ به إلى الفوضى فتضيع مكاسب الإسلام فيه عبر قرون.
ما دام الوطن إسلاميا فيجب الدفاع عنه، ويحرم الإضرار به.

استماع