التستر على المطلوبين

أما بعدُ: فإن الإسلام هو دين الله، وهو دين الفطرة، والكمال والتمام، ودين الصلاحية لكل زمان ومكان وأمَّة، دين اليسر ورفع الحرج، ورفع المشقة، دين الاعتدال والتوسط في العبادات والطاعات والأحكام، دين الرحمة، دين الوفاء، دين الوفاء بالعهود والمواثيق، دين الاجتماع والائتلاف والاتفاق، دين المحبة، دين الخلق الحسن والمعاملة الطيبة، دين العلم، ودين الرفق، واللين في الأمر والنهي، دين العدل والإحسان، دين العدل الذي أمر المسلمين أن يعدلوا مغ إخوانهم وغير إخوانهم، أمرهم أن يلتزموا العدل في جميع حياتهم، وأن يحسنوا إلى الناس، فهذه الآية التي تعتبر من أجمع ما نزل في القرآن الكريم، والتي اعتاد المسلمون أن يسمعوها في خطب الجمعة وفي غيرها، وهي قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.

هذه الآية قَرَنَ الله تعالى فيها العدل بالإحسان، لأن العدل وحده لا يؤدي إلى ما يطلب منه، لأنه قد يؤدي إلى الجور، فمن أراد أن يأخذ حقه كاملا فقد يقع فيما لا يحل له، لكنه إذا أخذ العدلَ ومعه الإحسان؛ ترك بعض ما يستحقه، رغبة فيما حثه الله تعالى عليه من الإحسان، قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.
..وعلى الجهات الرسمية الدينية أن تجتهد في إصدار البيان الموثق بحكم فعل أولئك المتسترين، بل إن القانون العسكري، يقضي بأن من علم ولم يُبَلِّغ؛ فحكمه حكم الفاعل سواء بسواء، فإذا كان ذلك كذلك، فكيف بالشرع الذي لا يرضى عن الفساد والإفساد!؟ كيف يكون ذلك من أقوام يحيون بين المسلمين!؟ يتستر عليهم من يتستر عليهم ، ويؤويهم من يؤويهم من الملعونين، بنص رسول الله: “لعن الله من آوى مُحْدِثًا” فهو ملعون بلعنة الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
.. التكفير حكم شرعي، مرده لله ولرسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير، وليس كل ما وُصِف بالكفر من قول أو فعل يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة، ولما كان مَرَدُّ حكم التكفير إلى الله ورسوله، لم يَجُزْ أن نُكَفِّرَ إلا مَن دَلَّ الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدْرأُ بالشبهات؛ مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير؛ فالتكفير أولى أن يُدْرَاَ بالشبهات.

استماع