إقامة الحُجَّة ورجاء الهداية

ففي حديث جابر الطويل ، الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، في صفة حج رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – خَطَبَ خُطبة عظيمة جامعة في حَجة الوداع ، في محفل عظيم جامع من المسلمين الذين آمنوا بالله رب العالمين ، وبمحمد الأمين – صلى الله عليه وآله وسلم – .
وقال فيها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “قد تركتُ فيكم ما لم تضلوا بعده إذا اعتصمتم به؛ كتابَ الله” وفي رواية “كتابُ الله” ، فَنَصَبَ على البَدلِيَّةِ ورَفَعَ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف ، وأنتم تُسألون عني ، فأخبر الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – أن الأمةَ تُسأل عنه يوم القيامة ، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم – “فما أنتم قائلون؟” يعني إذا سُئلتم عني فماذا أنتم قائلون؟ عندما يسألكم الله تبارك وتعالى عن البلاغ ، عما أديته إليكم من الرسالة والأمانة التي حمَّلَني الله -تبارك وتعالى- إياها ، فقالوا : “نشهد أنك قد بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصحت” فقال بإصبعه السبابة يَنْكُتُهَا إلى السماء ، أو يَنْكُبُهَا – في رواية – إلى السماء ، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ، يشير النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بِأُصْبُعِهِ بِإِصْبَعِهِ السبابة إلى السماء ثم يَنْكُتُهَا إلى الناس ، يَنكُبُهَا يعني يَقلِبُهَا إلى الناس يقول :”اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات .
الله تبارك وتعالى جَعَلَ للدعوة وظيفة ، ووظيفة الدعوة – وهي وظيفة الداعية – تنحصر في أمرين اثنين ، بَيَّنَ النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في هذا الحديث العظيم في حَجَّة الوداع أحدَهُمَا ، وهو إقامة الحُجَّة على الخلق ، بتبليغ دين الله – تبارك وتعالى – على النحو الذي أدَّاه الله – تبارك وتعالى – عن طريق أمين الوحي جبريل .
فهذا هو الهدف الرئيسُ الأول من هدَفَي الدعوة ومن هدفَي الداعي إلى الله – تبارك وتعالى – أن يٌيم الحجة على الناس في الأرض كما أمر اللهُ – تبارك وتعالى – بذلك ، وعلى النحو الذي يريده الله ويحبه ، في حديث جابر الذي مَرَّ بيانٌ لأعظم هدف يمكن أن يؤدِّيَهُ داعيةٌ إلى الله -تبارك وتعالى- وهو تبليغ دين الله -تبارك وتعالى- وإرشاد الخلق إليه ، وتأدية الدين بلا زيادة ولا نقصان ، فليس على الداعية إلا إقامة الحجة حتى يخرج من عُهْدَة التكليف ، فإن الداعية متى جَهِلَ هذا الأصل العظيم ، وهو أن الهدف إنما هو تأدية الرسالة ، وإنما هو إقامة الحجة على الخلق في الأرض ، لكي تنقطع الحُجَّةُ – حُجَّةُ الناس – يوم القيامة إذا أقام الله -تبارك وتعالى- عليهم الحُجَّةُ والبيِّنات ، إذا ما جَهِلَ الداعيةُ هذا الأمرَ العظيم ؛ ساء فهمُه ، وضاق عَطَنُه ، وانحرف فِكره ، ورجع خاسرًا حتى يَشْتَطَّ إلى أساليبَ مخالفةٍ لمنهج الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ، وحينئذ يُوقِعُ الضرر بنفسه وبالآخرين ؛ بسبب جهله بهذه الحقيقة العظيمة ، الهدف الأول من هدَفَي الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- من هدفي الداعية الرئيسَيْنِ .
الهدف الأول هو: “إقامة الحجة على الأرض” بتأدية الأمانة وتبليغ الرسالة ، كما جاء بها الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ،
وأما الهدف الثاني فهو: “رجاء هداية المدعو” ، وأسوتنا في هذا الهدف الجليل هو نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – كان حريصًا على هداية الناس إلى الطريق القويم والصراط المستقيم – صلى الله عليه وآله وسلم – .
استماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *