بين يدي عشر ذي الحجة

فإن الله تعالى جعل في أيام دهره نفحات ، وجعل في الأزمان مواسم للفضل والخيرات ، كما جعل في بعض الأماكن مزيد فضل وأجر ، تكرما منه تعالى على عباده وإحسانات ، ليتدارك المقصر في زمن طويل ما فاته في زمن قصير ، وليتسابق المتنافسون إلى مواسم مضاعفة الثواب ، كما تنافسوا في الصالحات في عموم الزمان.

وقد فضل الله تعالى المسجد الحرام على المسجد النبوي وعلى المسجد الأقصى ؛ فجعل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في المساجد العادية ، وجعل الصلاة في مسجد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بألف صلاة ، وجعل الله تبارك وتعالى ليلة القدر خيرًا من ألف شهر ، وفضل شهر رمضان ويوم الجمعة ، وفضل الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة ، وجعلها أفضل أيام الدنيا.

روى البزار بإسناد صحيح لغيره بسنده عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ” أفضل أيام الدنيا أيام العشر – يعني عشر دي الحجة – قيل ولا مثلهن في سبيل الله؟! قال ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عُفِّر َ وجهه بالتراب “.
وروى أبو يعلى عن جابر – رضي الله عنه – بإسناد صحيح لغيره عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال ” ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة، قال وقال رجل يا رسول الله هن أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال فقال: هن أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله إلا عفير يُعَفَّر وجهه في التراب. – يعني خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء وذهب إلى ربه حميدًا شهيدًا – .
وقد أخبر – صلى الله عليه وآله وسلم – أن العمل الصالح في العشر أحب إلى الله عز وجل منه في غيره ، بالغًا ما بلغ العمل .
أيام العشر أفضل أيام الدنيا تجتمع فيها أُمّهات العبادات ، ويقع فيها معظم أعمال الحج، وفي يوم التروية يُهِّلُ الحاج بالحج ، ثم يذهب إلى منى فيصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها ثم يصلي الصبح، ثم يدفع إلى عرفة ، فيقف بعرفة إلى غروب الشمس ، ثم يدفع إلى المزدلفة – وهي المشعر الحرام – فيبيت ليلته ثم يصلي الصبح ويتوجه إلى القبلة، ويدعو طويلًا حتى يسفر جدا ، ثم يدفع إلى منى ؛ لكي يرمي جمرة العقبة الكبرى وذلك في يوم العيد، وفي يوم العيد معظم أعمال الحج ؛ فإنه يرمي جمرة العقبة الكبرى ، يحلق أو يقصر ، يذبح ، يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ، ثم في الثلاثة الأيام التالية هي أيام التشريق؛ يقوم برمي الجمار على النحو المعروف.
إذًا في العشر معظم أعمال الحج ، وتجتمع في العشر أُمّهات العبادات ، يقع فيها معظم أعمال الحج ؛ فيه يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ؛ ويوم النحر أفضل أيام السنة .
……. فإذا ضحى الرجل بالواحدة من الغنم الضأن أو المعز عنه وعن أهل بيته أجزأ عن كل من نواه من أهل بيته من حي وميت، فإن لم ينوِ شيئًا يعم أو يخص دخل في أهل بيته كل من يشمله هذا اللفظ  عرفًا أو لغة ؛ وهو في العرف من يعولهم من الزوجات والأولاد والأقارب ، وفي اللغة كل قريب له من ذريته وذرية أبيه وذرية جده وذرية جد أبيه.

ويجزيءُ سُبُع البعير أو سُبُع البقرة عما تجزيء عنه الواحدة من الغنم؛  فلو ضحى الرجل بسُبُع بعير أو سُبُع بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأه ذلك ، لأن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – جعل سُبُع البدنة أو البقرة قائمًا مقام الشاة في الهدي، فكذلك يكون في الأضحية لعدم الفرق بينها وبين الهدي في هذا .
ولا تجزيء الواحدة من الغنم عن شخصين فأكثر يشتريانها فيضحيان بها لعدم ورود ذلك في الكتاب والسنة .
كما لا يجزيء أن يشترك ثمانية أو أكثر في بعير أو بقرة لأن العبادات توقيفية لا يجوز فيها تعدي المحدود كمية وكيفية وهذا في غير الاشتراك في الثواب، فقد ورد التشريك فيه بدون حصر ولا حرج على فضله جل وعلا.
ففرق بين الاشتراك في الثواب ، فأما الاشتراك في الثواب فلا حرج فيه على فضل الله ، وأما الاشتراك في الثمن فلا يجوز أن يشترك أكثر من سبعة بدنة أو بعير أو بقرة، لأنه بهذا ورد في النصوص .

…… على المرء أن يجتهد في استغلال هذه الأوقات الطيبة وألا يضيعها ، وأن يتقي الله تبارك وتعالى في المسلمين وألا يضيع عليهم أوقاتهم كما يفعل الحزبيون والطائشون من أهل الأهواء والبدع؛ فإنهم تمرسوا على أن يحيلوا أعياد المسلمين إلى أحزان واقعة ، كأنهم ينقمون على المسلمين أن يفرحوا، لا يحبون أن يفرح مسلم بنعمة الله عليه.

وهذه الأيام الطيبة جعلها الله رب العالمين موسم للعبادة، وجعل الله رب العالمين أعياد المسلمين -أعيادهم المشروعة- جعلها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كما بَيَّن؛  في أيام التشريق أيامَ أكل وشرب وذكر لله عز وجل ، وكذلك قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – : “يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق ، عيدنا أهلَ الإسلام” وفي رواية :”يوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام” .
معلوم أن من أعظم العبادات أن تُدخل السرور على أخيك المسلم ، لا أن تنزع منه السرور الذي يُسَرُّه بنعمة الله عليه “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا” فعلى الإنسان أن يجتهد في إدخال السرور على المسلمين.

استماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *