الإسلام السياسي

فقد قال حسنُ البنا قديمًا -لما تَجَلَّتْ أخطاء الممارسة السياسية باسم الدين، ووقعت مآسٍ بسبب ذلك مصبوغة بالدماء- قال متطهرًا: “لو استقبلت من أيامي ما استدبرت، لعدت إلى ما كنت عليه ، أُعَلِّم الإسلام وأربي الناس عليه” وقال : “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما أقحمتُ الجماعة في السياسة، ولأقمت بها على المأثورات ، وانشغلت بالتربية والتعليم” . قال هذا بعدما وقع ما وقع ، وتجلَّت أمور ، وتكشَّفَتْ أحوال ، لكن لم يكن لقوله هذا من فائدة .
معلومٌ أنه عند معالجة انحراف ؛ إذا وُجِدَت مغالاة في المعالجة توَلَّد بسبب ذلك انحراف آخر ، فالمبالغة في معالجة انحراف تولد انحرافًا آخر ، فكيف إذا كانت معالجة الانحراف على غير هُدَى؟ دائمًا نكرر الأخطاء نفسها ، نحن اليوم على مثل ما كنا عليه -أو أسوأ- مما كنا عليه في عام 81 من القرن الماضي ، الأحوال هي الأحوال ، والدماء المراقة على كثرة وكثافة هي الدماء  ، والاضطراب والبلبلة في صفوف العاملين إلى دين الله رب العالمين والداعين إليه هي هي ، وكذلك ما يقع في المجتمع من اضطراب وبلبلة ؛ حتى إن كثيرًا من الناس من المساكين ، لا يستطيعون التفرقة بين الخطأ وحقيقة الدين ، ففي غَمْرَة حماستهم يحاربون الإسلام وهم يعتقدون أنهم يحاربون الانحراف عن الإسلام ، وكل ذلك لم يُؤَثِّر نتيجة طيبة ، ولا ثمرة مُرضية ، فالأخطاء هي هي ، والأحوال تكاد تكون متطابقة ، ومع ذلك فالفائدة تكاد تكون معدومة ، مع أنه كان ينبغي أن نتعلم من أخطائنا ، حتى إذا ما أردنا أن نعالِج الانحراف عالجنا الانحرف ، من غير مبالغة في معالجة الانحراف ، لأن المبالغة في معالجته تولِّدُ انحرافًا آخر.
الأخطاء -لا أقول متكررة، أو متشابهة- وإنما هي متطابقة ، فلنحاول أن نؤَدِّي بعضَ ما علينا بالبحث في جسور المسألة ، لكي نصل إلى حصل للمعضِلَة ، ومعلومٌ أن التشخيص هو أهم ما يكون في خطوات البحث عن العلاج وتحصيل الشفاء ، وإذا ما أخطأ المعالِجُ تشخيصَ المرض ؛ فإنه يسير على غير سبيل .
فلنحاول جاهدين مخلصين بفضل الله رب العالمين أن نصِلَ إلى أصل المشكلة ومَكْمَن الداء ..

استماع