القاتل السياسي تربية الإخوان

فقد ذكرت في الجمعة الفائته أننا مقبلون على المرحلة الثالثة من المراحل التي خطها التنظيم الدولي للعصابة المجرمة الآثمة “الإخوان المسلمين” في تركيا ، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الاغتيالات ؛ وقد بدأَتْ تلك المرحلةُ بالأمس القريب ، وقد كان بعد مقتل النقراشي بيد شاب إخواني من أعضاء التنظيم الخاص ، في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر ، سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وألف ، كان أنْ كَتَبَ العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر في جريدة “الأساس” سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف ، مقالاً عنوانه “الإيمان قَيْدُ الفتْك” والفتك: أن يأتي الرجلُ صاحبَه وهو غارٌّ أو غافل ، وأما الغِيْلَة : فأن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي ، قال العلامة أحمد شاكر : “رُوِّع العالم الإسلامي والعالم العربي -بل كثيرٌ من الأقطار غيرهما- باغتيال الرجل – الرجل بمعنى الكلمة- النقراشي الشهيد -غفر الله له وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين-” كذا كَتَبَ العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر – رحمه الله – .
ومنه تعلم أنَّ ما يُحَمِّلُهُ إياه من صنيع أولئك الغلمان بما يُسَمَّى بالسلفية الجهادية ، من استدلال بأقواله على أنه يُكَفِّرُ الحُكَّام تكفيرًا مطلقا ؛ أن ذلك محض كذب وافتراء عليه .
وتأمَّل في هذا الثناء على النقراشي ، من هذا العلامة السلفي الكبير الشيخ أحمد محمد شاكر ، وهو ينعته بالشهيد – ومعلوم أننا لا نشهد لأحد بالشهادة ولا بالجنة ولا بالنار ؛ إلا من شَهِد له النبيُّ المختار – صلى الله عليه وآله وسلم – ، .
قال الشيخ شاكر – رحمه الله – : “وقد سَبَقَتْ ذلك أحداث قُدذِمَ بعضها للقضاء وقال فيها كلمته ، وما أنا الآن بصدد نقض الأحكام ، ولكني كنت أقرأ كما يقرأ غيري الكلامَ في الجرائد السياسية وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟ وقد رأيتُ أنَّ واجبًا عليَّ أن أبيَّنَ هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة ؛ حتى لا يكون هناك عذرٌ لمعتذر ، ولعل الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين ، فيرجعوا إلى دينهم قبل ألا يكون سبيلٌ للرجوع ، وما ندري من ذا بعد النقراشي في قائمة هؤلاء الناس ، إن الله سبحانه تَوَعَّدَ أشد الوعيد على قتل النفس الحرام ، في غير آية من كتابه ” ومن يقتل مؤمنا متعمدا ..” وهذا من بَدَهيَّات الإسلام ، التي يعرفها الجاهل قبل العالم ، وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس ، في الحوادث والسرقات وغيرها ، القاتل يُقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا ، أما القتل السياسي الذي قرأنا جدالًا طويلاً حوله ؛ فذلك شأنه أعظم ، وذلك شيءٌ آخر ، القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس ، راضي القلب ، يعتقد أنه يفعل خيرًا ، فإنه يعتقد بما بُثَّ فيه من مغالطات أنه يفعل عملًا حلالًا جائزًا ، إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قَصَّر فيه غيره ؛ فهذا مرتدٌ خارجٌ عن الإسلام ، يجب أن يُعامَل معاملة المرتدين ، وأن تُطَبَّق عليه أحكامهم في الشرائع ، وفي القانون هم الخوارج كالخوارج القدماء ، الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ويدَعون من اعترف على نفسه بالكفر …
… فكرة الهجمات الانتحارية ، أخذوها مما كان يقوم به الجيش الياباني ضد الأسطول الأمريكي البحري ، حتى أُغرِق الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي في ديسمبر سنة إحدى وأربعين وتسعمائة وألف ، ترتب على إغراقه أن قامت أمريكا -التي تتزعم اليوم حقوق الإنسان ، والتي تريد الاعتداء على دمشق مهد الخلافة الأموية ، ومهد العرب والعروبة والعربية ، للحقد الصليبي ، فإن أمريكا دولة بلا تاريخ ، دولة لقيطة ، ما يبلغ عمرها؟! ، وأما هذه الحضارة الإسلامية ، فممتدة بجذورها في عمق التاريخ- أمريكا قامت بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان ، إحداهما على هيروشيما والأخرى على نجازاكي ، قُتِل في الأولى مائةٌ وأربعون ألفًا من البشر ، وفي الثانية قُتِل سبعون ألفًا من البشر ، في لحظات ، عدا الذين شُوِّهوا ، وما زالت الأجيال تعاني من أثر الإشعاع إلى اليوم ، أمريكا بيت الشر الأكبر ، وهي الشيطان الأكبر ، تريد اليوم مراعاة حقوق الإنسان ، تريد أن تحاسب السلطة الحاكمة المجرمة في سوريا ، بحجة أنها قامت بقتل مواطنيها بإلقاء السلاح الكيمائي ، مما ترتب عليه قتل ُ ألف وثلاثمائة ، منهم كثيرٌ من الأطفال . ولم يثبت إلى هذه اللحظة مَن قام بهذا العمل الإجرامي ، لعل أمريكا هي التي قامت به ، عن طريق مخابراتها ، عن طريق حلفائها ، من أجل تدمير سوريا ، ثم بعد ذلك لا يبقى إلا مصر -حفظها الله رب العالمين ، وجميع بلدان المسلمين من كل شر وسوء- .
أزعجهم جدًا أن يموت هذا العدد بذلك السلاح ، فقالوا : قُتِل هذا العدد بالسلاح الكيميائي فلا بد من التدخل الفوري ، مع أنه قد قُتِل مئات الألوف من السوريين منذ وقع النزاع ، كأنَّ القتل بغير السلاح الكيماوي مباحٌ لا أثر يترتب عليه ، وأما القتل بالسلاح الكيميائي فينبغي التدخل بسبب وقوعه فورًا ، إنها القصة القديمة الحزينة ، عندما كان الذئب يشرب من الماء الذي يمر بعد شربه على الحَمَل ، وأراد أن يجد مبررًا لقتله وأكله ، وأراد أن يعدوَ عليه فقال : ما ذنبي؟ قال عكَّرتَ الماء عليَّ ، قال: الماءُ يأتي من جهتك ، ولا يأتي من جهتي ، فقال: أَجَل ، ولكن جدَّك عكَّر الماء على جدي ! ثم عدا عليه .

استماع