الحاكم والمحكوم والجماعة

فكل ما قلته بفضل الله تعالى وما أقوله بمنته ونعمته ، وما سأقوله إن شاء الله تعالى بحوله وقوته ؛  كل ذلك إنما هو منهج أهل السنة ، أو منهاج النبوة ، أو منهج السلف في العقيدة والعمل ؛ وقد بيَّنَتْهُ نصوص الكتاب والسنة ، وطبَّقَهُ في واقع الحياة الأئمة ، ومنهج أهل السنة في معاملة الحكام وولاة الأمور أن يُسمع لهم ويُطاع في غير معصية ؛ فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمروا به من معصية ، ويُسمع ويُطاع لهم فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تُنزَعُ يدٌ من طاعة في المعروف .
وقد صار الناس في مصر إلى رئيس أو حاكم أو ولي أمر ، والذي أعتقده ويعتقده أهل السنة هو ما دل عليه منهاج النبوة ؛ وهو أنه يجب السمع والطاعة له في المعروف ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة فيما أمر به منها ، ويُسمع ويُطاع فيما دون ذلك من المعروف ، ولا تنزع يد من طاعة ، ولا يحل الخروج عليه ، ولا منازعته في الأمر .
ومن الخروج عليه انتقاد سياساته ، والتشهير بطريقة إدارته ، والخوض في خصوصياته وسيرته ، وتناوله بما لا يليق ؛ في المجامع أو على رؤؤس المنابر والندوات ، أو في المحافل أو المسامرات ، ولا يُسقط ذلك مالَه من حق النصح له وإسداء النصيحة خالصة إليه ، على أن يكون النصح بطريقة السلف في نصح الحكام ؛ بأن يخلو به ، وأن يترفق في الكلام متأدبًا معه ، وأن يُبِيِّنَ له ما يريد من الحق والنصيحة بلطف ولين ، فإن لم يستطع أن يصل إليه فليوصل إليه ما شاء من النصح ، عن طريق من يصل إليه ، أو عن طريق مراسلته بينه وبينه ، فإن لم يستطع فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وقد أدَّى أمرؤٌ ما عليه .
ومن حق الحاكم على المحكومين أن يجتهدوا في الدعاء له بالصلاح والتوفيق والسداد ؛ لأن في صلاح الحاكم صلاحًا للبلاد والعباد ، وفي فساده هلاك الحرث والنسل وتدميغ البلاد وفساد العباد .
فهذا مجمل ما يجب علينا أهلَ السنة والجماعة للحاكم أو ولي الأمر ، وهو جزء من عقيدتنا التي وُرْثناها عن أئمة أهل السنة ، وهم ورثوها كابرًا عن كابر ؛ عن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – ورضي الله تعالى عنهم .
وهذا المجمل في معاملة الحكام قد فَصَّلْتُهُ في شرحي على “أصول السنة” للإمام أحمد ، وفي شرحي على “شرح السنة” للإمام البربهاري ، وعَرَّجتُ عليه في مواضعَ من “معارج القبول” و”أعلام السنة المنشورة” وكلاهما للعلامة الشيخ حافظ حَكَمِي ، وكذلك في شرح “الواسطية” ، وفي غيرها من كتب الاعتقاد على منهج السلف ، وكذلك ذَكَرْتُهُ مُفَصَّلَاً في “دعائم منهاج النبوة” فليَرْجِع إلى ذلك مَن شاء -غير مأمور- .
وهذا الذي ذكرْتُه من اعتقاد أهل السنة في معاملة الحكام ؛ هو ما أدين الله تعالى به ، ويدين اللهَ تعالى به معي إخواني من أهل السنة على منهاج النبوة ، لا يُرَغِّبُنَا فيه حبُّ حبيب ، ولا يُرَغِّبُنَا عنه بُغض بغيض ، وإنما يَحْمِلُنا عليه ويدفعنا إليه اعتقادنا ومنهجنا ، في المَنشَط والمَكْرَه ، والحبِّ والبغض على السواء .
ولم نخالف هذا المنهج -بحول الله وقوته- مع من كان يظلم ويستأثر ويجور ؛ فكيف بمن يَعِدُ بالعدل والقسط وتصحيح الأمور!؟
إن سلامة المجتمعات الإسلامية من التشرذم والاضمحلال لا تكون إلا باتباع منهاج النبوة ، والتزام منهج السلف ، وهو ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – .
… بعد تقرير عقيدة السلف فيما يجب على المحكوم للحاكم على الإجمال الذي مر تفصيله ، لا يدفع إليه حب حبيب ، ولا يصد عنه بغض بغيض ، فالمباديء ثابتة ، والقواعد راسخة ، والأشخاص تتغير ، والدول تتبدل ، وأهل السنة كالجبال الشامخة ، والأطواد الراسخة ، لا يحيدون عن الحق -بفضل ربهم وتثبيته- والله المستعان وعليه التُّكلان .
فيجب أن يُزال هنا التباسٌ عن بعض الناس في بعض الأمور:
أولًا: يجب أن نُفَرِّقَ تفريقًا حاسمًا بين السمع والطاعة في المعروف للرئيس المُنتخب ، والسمع والطاعة لجماعة الإخوان أو للحزب المنبثق عنه . فأما الرئيس المنتخب فله السمع والطاعة في المعروف كما مر ،  وأما الجماعة والحزب ؛ فليس لهما سمعٌ ولا طاعةٌ على أحد من المسلمين ؛ وإن كانت الجماعة تَفرض السمع والطاعة على من انتمى إليها منهجًا وتنظيمًا ؛ فهذا شأنُ من انتمى إليها ، ولا يعني هذا المسلمين في شيء ، وغايةَ ما تملكه الجماعة أن تكون جماعةً من المسلمين ، لا جماعة المسلمين ؛ فلا تَلزَمُ بيعتُها أحدًا ، ولا السمعُ والطاعة لها كذلك يَلزَمَان أحدًا .
…. فلا تخلط بين الأمرين واحذر أن يخدعوك ، فإنك إن بَيَّنْتَ الحقَّ ، ورَدَدْتَ الباطل ، وَزَيَّفْتَ البدعة ، وقرَّرْتَ السُّنَّة ؛ قالوا : كيف وأنتم تقولون بعدم جواز الخروج على الحكام! وهل خرجنا!؟ لا نخرج على الحاكم ولا بكلمة ، ولا نرى جواز الخروج عليه ولو بالكلمة ، لا على المنابر ، ولا في المجامع ، ولا في الصحف ، ولا في المجلات ، ولا في غير ذلك من السبل التي أحلها القومُ من بعد حُرْمَة ليصلوا بها إلى ما يريدون ، ثم عليها بعدُ ينقلبون ، وهم لا يستطيعون .
وكذلك فَعَلَ شيخ الإسلام – رحمه الله – مع الاتِّحَاديَّة الذين يقولون بوحدة الوجود ، ويقولون بالحلول ، وقد زّيَّف معتقدهم ، وبيَّنَ عُوارَهُ ونقصه ، ودلَّ على الكفر الكامن والزندقة الباطنة فيه ، مع أن بيبرس الجاشنكير كان حاكمًا زمنياً في وقته ، لا يخرج عليه بأي صورة من صور الخروج ، وبيبرس على عقيدة الاتحادية ، تبعًا لشيخه نصر المنبجي ، ومع ذلك زيَّفَ شيخُ الإسلام تلك العقيدة الباطلة ، والنِّحْلَة الفاسدة ، وردَّ على تلك الفرقة الضالة المنحرفة المتزندقة ، ولم يخرج على الحاكم المعتقِدِ معتقدَهم -أي معتقَد الحلولية . فينبغي عليك أن تُفَرِّق بين الأمرين ، والله يرعاك ، وبتثبيته وتأييده يتولاك ، وهو حسبي وحسبك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

استماع